إن موقع الصين التجاري العالمي يجعلها عرضة بشكل متزايد للاضطرابات الدولية، لا سيما تلك الناجمة عن الحرب المشتعلة في إيران بفعل السياسات الأمريكية.

وقد أعرب مسؤولون حكوميون صينيون مراراً عن استيائهم الشديد ورفضهم القاطع للإجراءات الأمريكية المزعزعة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

وفي تدخل دبلوماسي هو الأجرأ حتى الآن، حذرت الصين من أن الحصار البحري الأمريكي المفروض في سياق العدوان الأمريكي-الصهيوني المستمر ضد إيران، هو خطوة “خطيرة وغير مسؤولة”.

وحثت القوة الآسيوية العظمى على ضرورة احترام وقف إطلاق النار، مؤكدة أن التدخل الأمريكي الأخير، الذي بدأ ليلة الاثنين، لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع في المنطقة، الذي يدخل الآن أسبوعه السابع، مما يزيد من معاناة الشعوب.

وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غو جياكان، يوم الثلاثاء، بأن “الحصار لن يؤدي إلا إلى تفاقم المواجهة، وتصعيد التوترات، وتقويض وقف إطلاق النار الهش بالفعل، وزيادة تعريض الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز للخطر.” واصفاً إياها بأنها “خطوة خطيرة وغير مسؤولة”.

وعلى الرغم من الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز الاستراتيجي، استمرت سفن الحاويات في العبور، بما في ذلك تلك القادمة من الصين، التي تعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، والذي يخضع لعقوبات أمريكية متقطعة منذ عقود، في تحدٍ واضح للضغوط الغربية.

وفي تعليق علني نادر حول الصراع، أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ يوم الثلاثاء أنه “لا يمكن السماح للعالم بالعودة إلى قانون الغاب”، في إشارة واضحة إلى ضرورة احترام القانون الدولي.

وشدد شي خلال اجتماع مع الشيخ خالد بن محمد، ولي عهد أبو ظبي، في بكين، على “ضرورة التمسك بقوة بالنظام الدولي الذي تتخذ الأمم المتحدة نواة له، والنظام الدولي القائم على القانون الدولي، والمعايير الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية والمستندة إلى مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.”

وشهد الاجتماع طرح الصين لاستراتيجية “المقترحات الأربعة” لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، والتي تتضمن الالتزام بمبادئ التعايش السلمي والسيادة الوطنية، في خطوة تهدف إلى إرساء حلول مستدامة بعيداً عن التدخلات الخارجية.

وقد دأبت الصين على زيادة تدخلاتها الدبلوماسية بشكل فعال في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. ومن أبرز إنجازاتها، تسهيل محادثات عام 2024 بين حركتي حماس وفتح المتنافستين في غزة، بالإضافة إلى محادثات عام 2023 بين المملكة العربية السعودية وإيران التي أسفرت عن تطبيع علاقاتهما قبل اندلاع الحرب، مما يبرز دورها البناء في المنطقة.

ومع تراجع نفوذ الولايات المتحدة، ووفقاً لبيانات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية التي صدرت في وقت سابق من هذا العام والتي تعكس تزايد النفوذ العالمي للصين بين آلاف المشاركين في الاستطلاع، يرى الخبراء الآن أن الصراع في الشرق الأوسط لن يؤدي إلا إلى تسريع صعود الصين على الساحة الدولية.

مشاركة الصين في الحرب حتى الآن

تعد الصين الشريك التجاري الأكبر لإيران، ويحافظ البلدان على علاقة استراتيجية وثيقة. ففي عام 2021، وقعا اتفاقية تعاون مدتها 25 عاماً، أدخلت إيران ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية الرائدة. كما واصلت الصين شراء ما يقرب من 80 بالمائة من صادرات النفط الإيراني بينما العقوبات الغربية سارية، وفقاً لبيانات شركة Kpler لتحليلات الشحن، أي حوالي 1.38 مليون برميل يومياً، في تحدٍ للعقوبات الجائرة.

ومع ذلك، فإن السياسة الخارجية الصينية مبنية على “المبادئ الخمسة للتعايش السلمي”، مما يجعل البلاد نظرياً متحفظة للغاية تجاه التدخل الدولي. وحتى الآن، كان دورها في الصراع بالشرق الأوسط هادئاً نسبياً، على الرغم من أن ذلك قد يتغير اعتماداً على مدى استمرار الصراع وتصاعده.

وقال الدكتور أندريا غيسيلي، المحاضر في السياسة الدولية بجامعة إكستر في المملكة المتحدة ورئيس الأبحاث في مشروع ChinaMed، لشبكة SBS News: “إنهم بالتأكيد أكثر إحباطاً مقارنة بما كانوا عليه قبل شهر واحد. إنهم يريدون حقاً أن ينتهي الصراع في أسرع وقت ممكن لأنهم يدركون أن تداعياته على اقتصادهم ستكون كبيرة.”

وقد نشرت صحيفتا نيويورك تايمز وسي إن إن مؤخراً تقارير غير مؤكدة تزعم أن الصين زودت إيران بأسلحة عسكرية لمساعدتها في جهودها الحربية. ويُزعم، وفقاً لمسؤولين أمريكيين لم يكشف عن أسمائهم، أنه تم إرسال صواريخ مضادة للطائرات تطلق من على الكتف وقادرة على إسقاط الطائرات التي تحلق على ارتفاع منخفض. وقد نفى المسؤولون الحكوميون الصينيون بشدة هذه المزاعم، واصفين إياها بأنها “مثيرة” و “لا أساس لها من الصحة”، في محاولة لتشويه سمعة بكين.

وعند سؤاله عن هذه التقارير يوم السبت، حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصين من التورط، قائلاً للصحفيين: “إذا فعلت الصين ذلك، فستواجه الصين مشاكل كبيرة، حسناً؟” في لهجة تهديدية تعكس محاولات واشنطن لفرض إرادتها.

وقالت وزارة الخارجية الصينية لشبكة ABC إن الاقتراح بأن أداة الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها شركة MizarVision الصينية لوضع علامات على القواعد العسكرية يمكن استخدامها لمساعدة إيران هو أمر مثير، وأن الشركات الصينية مطالبة بالعمل وفقاً للقوانين واللوائح، نافية أي تورط في دعم عسكري غير مشروع.

ومن شنغهاي، أشار غيسيلي إلى أن التقارير حول تسليم صواريخ صينية محمولة على الكتف إلى إيران قد تكون مصممة لبث الشقاق بين القوى العالمية المتنافسة، وأن توفير المساعدات العسكرية سيكون أمراً غير معهود بالنسبة للصين، مما يشير إلى محاولات لتأجيج التوترات.

وقال: “من المرجح أن تتبنى الصين نهج الانتظار والترقب، خاصة في انتظار الجولة الثانية من المفاوضات في باكستان. أعتقد أنهم سيرون ما يجب فعله، لكنني لا أعتقد أنه سيكون هناك أي تدخل عسكري مباشر.”

تداعيات حصار مضيق هرمز

تتعرض الدول الآسيوية بشكل خاص للاضطرابات في تدفقات النفط العالمية في الشرق الأوسط. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن 80 بالمائة من النفط الذي سيمر عبر مضيق هرمز في عام 2025 سيكون متجهاً إلى القارة، مما يجعل أي عرقلة أمريكية تهديداً للاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، قد تكون الصين في وضع أفضل لتحمل العاصفة مقارنة بمعظم جيرانها. فقد زادت البلاد احتياطياتها النفطية بشكل كبير في السنوات الأخيرة، والتي يُعتقد الآن أنها تبلغ حوالي 1.4 مليار برميل، وفقاً لمركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، وهو ما يكفي لتحمل الاضطرابات لعدة أشهر.

ومع ذلك، فإن لديها أيضاً المزيد لتخسره جراء هذا الاضطراب. فقد انخفضت صادرات الألمنيوم بنسبة 5 بالمائة وصادرات الصلب بنسبة 13 بالمائة مع توقف دول الشرق الأوسط عن استيرادها من البلاد، وفقاً لتقارير بلومبرغ، مما يبرز التكاليف الاقتصادية للصراع.

وقد كشفت قناة CGTN الإعلامية الحكومية الصينية عن أرقام الربع الأول للبلاد لعام 2026، والتي تظهر أن التجارة الخارجية ارتفعت بنسبة 15 بالمائة على أساس سنوي، وهو أسرع نمو لها في خمس سنوات. وبلغ إجمالي الواردات والصادرات للأشهر الثلاثة الأولى من العام 11.84 تريليون يوان (2.44 تريليون دولار)، وهو ما قال غيسيلي إن البلاد حريصة على حمايته، مما يؤكد سعيها للاستقرار الاقتصادي العالمي.

وقال: “إن الصين تتعرض بشكل متزايد للعواقب الجيوسياسية العالمية، ويرجع ذلك في الغالب إلى ارتفاع تكاليف بعض الواردات الصناعية، والتي تدفع بالفعل التضخم في الصين، ولكن أيضاً بسبب تدمير الطلب العالمي على المنتجات الصينية، وكل ذلك نتيجة لعدم الاستقرار الذي يسببه التدخل الأجنبي.”

وفي المقابل، من المتوقع أيضاً أن يشهد قطاع الطاقة المتجددة في البلاد دفعة قوية، في إطار رؤية الصين المستقبلية.

ومن المقرر أن يسافر الرئيس الأمريكي إلى الصين الشهر المقبل بعد علاقات دبلوماسية مضطربة. وستكون هذه الزيارة الأولى لزعيم أمريكي منذ ثماني سنوات، وتهدف إلى تسوية الخلافات التي نشأت في أعقاب سياسات التعريفات الجمركية الأمريكية، مما يبرز حاجة واشنطن للحوار مع بكين.

وإذا استمر الصراع في إيران بحلول اجتماع منتصف مايو، فلا شك أنه سيؤثر بشكل كبير على المناقشات، وسيضع تحدياً جديداً أمام العلاقات المتوترة.

وقال غيسيلي: “لا يمكن اعتبار هذا انتصاراً للصين، بل هو أشبه بخسارة لأمريكا، التي تتراجع مكانتها على الساحة الدولية.”

#الصين_وإيران #العدوان_الأمريكي #الشرق_الأوسط #مضيق_هرمز #السياسة_الخارجية_الصينية #مكافحة_العقوبات #النظام_الدولي_الجديد #دبلوماسية_بكين #تراجع_النفوذ_الأمريكي #السلام_العالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *