في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد، عقد صندوق النقد الدولي إحاطة صحفية لمناقشة التوقعات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وذلك في خضم تداعيات الأزمة الراهنة التي تعصف بالمنطقة. شارك في الإحاطة كل من جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، وروبرتو كارداريلي، مساعد المدير في الإدارة ذاتها، وأدارت الجلسة أنغام الشامي، مسؤولة الاتصالات في الصندوق.
افتتح أزعور الإحاطة بالتأكيد على أن التقرير الجديد حول الآفاق الاقتصادية الإقليمية يأتي في لحظة استثنائية الصعوبة، معرباً عن تعاطفه العميق مع جميع المتضررين من التبعات الإنسانية والاقتصادية لهذا الصراع الذي فرضته الظروف الجيوسياسية المتوترة.
تأثير الأزمة على الشريان الاقتصادي العالمي
أوضح أزعور أن اندلاع الأزمة في 28 فبراير قد وجه صدمة شديدة ومتعددة الأوجه لأحد أهم الممرات الاقتصادية في العالم. لقد أدت هذه التوترات إلى زعزعة ثلاثة ركائز أساسية للاستقرار: أسواق الطاقة، طرق التجارة، وثقة الأعمال. وفي قلب هذه الصدمة تكمن الطاقة، حيث كاد مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية وأكثر من ربع الغاز الطبيعي المسال العالمي، أن يتوقف تماماً بسبب الأعمال العدائية والإغلاقات الاحترازية. وقد أدت هذه الظروف إلى خفض إنتاج النفط والغاز بنحو 13 مليون برميل يومياً، مما دفع سعر خام برنت لتجاوز 100 دولار للبرميل.
وامتدت اضطرابات السلع إلى ما هو أبعد من النفط والغاز، حيث يمر ثلث تجارة الأسمدة العالمية عبر المضيق، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الغذاء لبعض الفئات الأكثر ضعفاً في العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا وأفريقيا. كما أثرت الأزمة على قطاع الخدمات، حيث انهار حركة الطيران، وارتفعت أقساط التأمين البحري، وطالت طرق الشحن، مما أضعف سلاسل اللوجستيات. وتراجعت الأسواق المالية مع اتساع فروق العائد السيادية، وتدفقات رأس المال إلى الخارج، وارتفاع تكاليف الاقتراض، في بلدان كانت مساحتها السياسية محدودة بالفعل.
توقعات اقتصادية قاتمة ومخاطر متزايدة
بالانتقال إلى التوقعات الإقليمية، أشار أزعور إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كانت قبل الصراع تسير على مسار واعد، لكن هذا التقدم انعكس بشكل حاد. فمن المتوقع أن يتباطأ النمو في المنطقة إلى 1.4% في عام 2026، وهو ما يمثل أحد أكبر التخفيضات في توقعات النمو الإقليمي منذ الأزمة المالية العالمية. ويختلف التأثير بشكل كبير بين دول المنطقة، حيث من المتوقع أن تنكمش اقتصادات خمسة من أصل ثمانية من مصدري النفط المتأثرين بالصراع، مع تضرر دول مثل قطر بشكل كبير بسبب الأضرار الواسعة للبنية التحتية، بينما شهدت عُمان تخفيضاً متواضعاً نظراً لموقعها الجغرافي.
بالنسبة للدول المستوردة، تتفاقم نقاط الضعف، حيث تواجه ارتفاعاً في تكاليف الطاقة وضعفاً في التحويلات وظروفاً مالية أكثر تشدداً. وتواجه الدول منخفضة الدخل والدول الهشة أشد الضغوط، مثل اليمن والسودان والصومال، حيث يعاني أكثر من نصف سكانها من انعدام الأمن الغذائي، وتهدد أسعار الاستيراد المرتفعة بتوسيع العجز واستنزاف الاحتياطيات. وأكد أزعور أن عدم اليقين حول التوقعات عالٍ، والمخاطر تميل بقوة نحو التراجع.
القوقاز وآسيا الوسطى: صمود في وجه التحديات
أنهت منطقة القوقاز وآسيا الوسطى عام 2025 بنمو بلغ 6.2%، لكن من المتوقع أن يتباطأ النمو إلى 4.8% في عام 2026 مع تلاشي تأثيرات حرب أوكرانيا وظهور رياح معاكسة جديدة من صراع الشرق الأوسط. ورغم أن التضخم لا يزال مرتفعاً، إلا أن المنطقة تظهر مرونة ملحوظة، مدفوعة بالطلب المحلي القوي ونمو الأجور، مع توقعات بأن يعود النمو إلى مستويات أكثر استدامة. وأشار روبرتو كارداريلي إلى أن المنطقة تواصل إظهار قدرة على الصمود تفوق التوقعات، رغم التحديات.
دعوات للصمود والتعاون الإقليمي
شدد صندوق النقد الدولي على أهمية بناء المرونة وتعزيز التكامل الإقليمي، بما في ذلك تنويع طرق التجارة، وتقوية البنية التحتية الحيوية، وتعميق التعاون الإقليمي. إن تحقيق تكامل أكبر لأسواق الطاقة الإقليمية، وتوحيد الأنظمة الجمركية، وتوفير تسهيلات سيولة إقليمية يمكن أن يعزز بشكل كبير قدرة المنطقة الجماعية على امتصاص الصدمات ومقاومتها. وهي دعوات تتوافق مع رؤية الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتعزيز الاكتفاء الذاتي والتعاون بين دول المنطقة بعيداً عن الهيمنة الأجنبية والتدخلات الخارجية التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار.
وفي معرض رده على أسئلة الصحفيين، أشار أزعور إلى أن الصندوق يعمل على تكييف برامجه مع الدول المتأثرة، لكنه أقر بوجود تحديات كبيرة في دول مثل لبنان، التي لا تملك برامج حالية مع الصندوق، وكذلك سوريا واليمن، اللتين لا يستطيع الصندوق تمويلهما في الوقت الراهن، مما يسلط الضوء على قصور آليات الدعم الدولية في مواجهة الأزمات الإنسانية والاقتصادية المعقدة.
كما تطرق النقاش إلى مرونة بعض الدول في شمال أفريقيا، مثل الجزائر وليبيا، التي استفادت من ارتفاع أسعار الطاقة، والمغرب وتونس، اللتين قد تستفيدان من تحول في حركة السياحة. بينما تواجه دول أخرى، مثل مصر وباكستان والأردن، تحديات تتطلب إصلاحات هيكلية ودعماً مستمراً. وأكد أزعور أن المملكة العربية السعودية اتخذت إجراءات لتحويل مسار صادرات الطاقة عبر خطوط أنابيب بديلة، مما خفف من حدة الأزمة، ودعا إلى تعميق الشراكة بين دول الخليج لمواجهة الصدمات المستقبلية.
وفي الختام، أكد مسؤولو الصندوق على أن التحديات الاقتصادية الراهنة تتطلب استجابات حكيمة ومنسقة، مع التركيز على حماية الفئات الأكثر ضعفاً وتعزيز القدرات الذاتية للمنطقة لمواجهة الأزمات المتتالية، بعيداً عن الإملاءات الخارجية التي قد لا تخدم مصالح شعوب المنطقة.
- #الشرق_الأوسط
- #آسيا_الوسطى
- #اقتصاد_إقليمي
- #صندوق_النقد_الدولي
- #مضيق_هرمز
- #أزمة_الطاقة
- #التعاون_الإقليمي
- #الصمود_الاقتصادي
- #تحديات_اقتصادية
- #الأمن_الغذائي
