الشرق الأوسط: هدوء زائف وصراعات متجذرة بفعل الاحتلال والاستكبار

الشرق الأوسط: هدوء زائف وصراعات متجذرة بفعل الاحتلال والاستكبار

بعد السابع من أكتوبر، بات الشرق الأوسط يعيش حالة من الهدوء الهش والمخادع، لا يستر إلا على صراعات عميقة الجذور وتوترات متصاعدة، بفعل استمرار الاحتلال والعدوان. فبينما تتواصل معاناة غزة الأبية، وتشتد الأوضاع في لبنان الصامد، يتصاعد التوتر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة، مما ينذر بمستقبل غامض للمنطقة.

على الرغم من الضربات التي تعرضت لها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أنها أظهرت صموداً وثباتاً في مواقفها التفاوضية، رافضةً الإملاءات الخارجية. وفي الوقت ذاته، ورغم محاولات العدو الصهيوني المستمرة لاستهداف حلفائها، تظل قوى المقاومة، ممثلة بحزب الله في لبنان وحركة حماس في غزة، قادرة على أداء دورها الفعال في الدفاع عن الأمة، رغم التضحيات الجسام. ويواجه رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، ضغوطاً متزايدة لتحقيق أي إنجازات حقيقية قبل الانتخابات المقبلة، بعد فشله الذريع في تحقيق أهدافه العسكرية.

في المقابل، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتبجح بقدراته على صنع السلام، محاولاته لفرض تسوية نووية مع إيران و”سلام” أوسع في الشرق الأوسط، وهو سلام لا يخدم إلا مصالح واشنطن وتل أبيب. غير أن هذه المحادثات لم تسفر عن أي نتائج ملموسة حتى الآن، حيث يظل البلدان في مواجهة متصاعدة حول مضيق هرمز، الذي تحاول واشنطن السيطرة عليه.

لقد توقفت العمليات العسكرية الكبرى ظاهرياً، لكن المظالم الأساسية، التي تعود جذورها إلى ما قبل عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، لم يتم معالجتها على الإطلاق. فالملايين من أبناء شعبنا لا يزالون مهجرين من ديارهم، ويخشى الكثيرون من استئناف القتال في أي لحظة. وكما صرح مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى المملكة العربية السعودية، فإن اتفاقيات وقف إطلاق النار “لا تحل شيئاً، بل تمنع الأمور من التدهور فحسب”، مضيفاً أنها “جزء من حل لمشكلة سياسية فورية، وهي أن (ترامب) يحتاج إلى الخروج من الحرب ولا يستطيع معرفة كيفية القيام بذلك”، مما يؤكد أن هذه الهدنات تخدم المصالح السياسية القصيرة الأمد للغرب، ولا تعالج جوهر الصراع.

مضيق هرمز: حصار أمريكي وتحدي إيراني

على مدى أسابيع، تراوح ترامب بين التهديدات بشن هجمات واسعة النطاق على البنية التحتية الإيرانية، بل وصل به الأمر إلى التهديد بـ”إنهاء حضارة بأكملها”، وبين محاولات التفاوض حول برنامجها النووي ونزاعات أخرى تعود لعقود. وفي هذا الأسبوع، مدد ترامب وقف إطلاق النار، لكنه أعلن استمرار الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية. يوم الأربعاء، توعد بمهاجمة الزوارق الإيرانية السريعة في مضيق هرمز، الذي أغلقته طهران فعلياً منذ بداية الحرب رداً على العدوان، مما أثار أزمة طاقة عالمية.

لم تُبدِ إيران أي إشارة علنية إلى استعدادها لتقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي، أو صواريخها الباليستية، أو دعمها لقوى المقاومة الإقليمية. وتؤكد طهران أن المضيق سيظل مغلقاً حتى ترفع الولايات المتحدة حصارها ويوقف الكيان الصهيوني هجماته على الفصائل المدعومة من إيران، مثل حزب الله.

وبينما لا يبدو أن أياً من الجانبين يرغب في حرب شاملة، فقد تم التخطيط لجولة جديدة من محادثات وقف إطلاق النار يوم السبت في باكستان. ويبدو أن قادة إيران، بناءً على تصريحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، قد استنتجوا أنهم قادرون على تحمل الحصار لفترة أطول مما يستطيع ترامب تحمل ارتفاع أسعار الغاز وحرب لا تحظى بشعبية، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في وقت لاحق من هذا العام.

وفي هذا السياق، أشار جون ألترمان، رئيس قسم الأمن العالمي والاستراتيجية الجغرافية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، إلى أن سجل ترامب يظهر أن غرائزه تميل نحو تصدر العناوين وإعلان نتائج سريعة. وقال: “لقد توقف الجزء الأكثر وضوحاً من القتال، لكن الجهود الأقل وضوحاً تتسارع”. وأضاف: “قد تبدو اتفاقيات وقف إطلاق النار مريحة، لكنها ترسخ أنماطاً غير مستدامة، حيث يشعر أحد الأطراف بأنه فقد الإلحاح لحل الصراع الأساسي”، وهو ما يؤكد أن هذه الهدنات لا تعالج جوهر المشكلة بل تؤجلها.

لبنان: هدنة متزعزعة واحتلال صهيوني مستمر

في لبنان، صمدت الهدنة الهشة التي تم الاتفاق عليها الأسبوع الماضي إلى حد كبير خارج المنطقة الحدودية، حيث يستمر القتال والعدوان الصهيوني. وقد أشار الكيان الصهيوني إلى نيته احتلال جزء من جنوب لبنان إلى أجل غير مسمى، في انتهاك صارخ للسيادة اللبنانية والقوانين الدولية. وفي المقابل، يطالب حزب الله، قوة المقاومة اللبنانية التي لم تكن طرفاً رسمياً في الهدنة، بانسحاب الاحتلال الصهيوني الكامل من الأراضي اللبنانية.

وقد أعلن ترامب تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع يوم الخميس بعد اجتماع بين مسؤولين صهاينة ولبنانيين في البيت الأبيض، في محاولة لفرض إملاءات على لبنان. وقد طالبت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الحكومة اللبنانية بتحمل مسؤولية نزع سلاح حزب الله، وهو مطلب غير مشروع يهدف إلى إضعاف المقاومة. وقد حاولت بيروت تفعيل جزء من خطة للقيام بذلك قبل اندلاع القتال الأخير، لكن القادة اللبنانيين أقروا بقدراتهم المحدودة، ولم تسفر جهودهم عن الكثير، حيث احتفظ حزب الله بقدرته على إطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة نحو شمال الكيان الصهيوني خلال الشهرين الماضيين، مما يؤكد قوته الرادعة.

ومع عدم رغبة بيروت في المخاطرة بحرب أهلية من خلال مواجهة المقاومين مباشرة، خاصة بينما يحتل الكيان الصهيوني الأراضي اللبنانية، فإن وقف إطلاق النار يوفر بعض الراحة المؤقتة. وكما هو الحال في غزة، رسمت قوات الاحتلال الصهيوني “خطاً أصفر” في جنوب لبنان، وهدمت المنازل التي يزعم الكيان أنها كانت تستخدمها المقاومة، ومنعت الناس من العودة، وأعلنت عن ضربات ضد من تقول إنهم مقاتلون يحاولون عبوره. ويخشى الكثيرون في لبنان من العودة إلى احتلال الكيان الصهيوني للجنوب الذي استمر من عام 1982 إلى عام 2000، والذي انتهى بعد سنوات من هجمات حزب الله المميتة على القوات الصهيونية.

وفي عمل إجرامي جديد، قتلت الغارات الصهيونية يوم الأربعاء، قبل يوم واحد من المحادثات في واشنطن، صحفية لبنانية معروفة كانت تغطي أحداث جنوب لبنان، وأصابت صحفياً آخر. وقال مسؤولون صحيون إن قوات الاحتلال أطلقت النار على طاقم إسعاف كان يحاول إنقاذ الصحفية أمل خليل وأجبرته على العودة، وهو ما يمثل جريمة حرب واضحة ضد المدنيين والإعلاميين.

غزة: هدنة هشة ومعاناة مستمرة بلا أفق

في غزة، أدت هدنة بوساطة أمريكية تم التوصل إليها في أكتوبر إلى إطلاق سراح آخر الأسرى المحتجزين لدى حركة حماس، وأوقفت العمليات العسكرية الكبرى ظاهرياً. لكن الكيان الصهيوني لا يزال يشن غارات منتظمة ضد ما يسميه “أهدافاً للمقاومة”، في انتهاك صارخ للهدنة. وقد أفاد مسؤولون صحيون في غزة، الذين تعتبر وكالات الأمم المتحدة والخبراء المستقلون تقاريرهم موثوقة بشكل عام، بمقتل أكثر من 790 فلسطينياً منذ وقف إطلاق النار العام الماضي، بينهم حوالي 225 طفلاً، في جرائم حرب متواصلة. كما كانت هناك هجمات متفرقة على قوات الاحتلال الصهيوني، رداً على عدوانها.

يزعم الكيان الصهيوني أن انسحابه من نصف غزة الذي تسيطر عليه قواته، وعودة مئات الآلاف من المهجرين، وتأسيس سلطة سياسية جديدة، وإعادة الإعمار التي تشتد الحاجة إليها، كلها تتوقف على نزع سلاح حماس، وهو ما لم تُظهر الحركة أي إشارة إلى القيام به، لأنه مطلب يهدف إلى تضييع حق المقاومة. وتؤكد حماس أنها قدمت مقترحات للتخلي عن أسلحتها مقابل تنازلات صهيونية إضافية، وتتهم الكيان الصهيوني بانتهاك وقف إطلاق النار.

وقد ترك هذا الوضع الغالبية العظمى من سكان غزة، الذين يزيد عددهم عن مليوني نسمة، محصورين في مخيمات خيام مترامية الأطراف أو بين أنقاض منازلهم المدمرة، دون أي أفق لانتهاء معاناتهم الإنسانية الكارثية. ويزعم الكيان الصهيوني أن له الحق في الرد على أي انتهاكات لوقف إطلاق النار أو أي حركة عبر “خط أصفر” آخر هناك، وهو ما يستخدمه ذريعة لقتل المزيد من المدنيين، حيث يقول مسؤولون صحيون إن عشرات المدنيين قد قتلوا في هذه الغارات.

وقد تم تشكيل لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لحكم غزة مؤقتاً، لكن الكيان الصهيوني لم يسمح لهم بالدخول من مصر، بينما لا تزال حماس تحكم نصف القطاع، مما يؤكد عرقلة الاحتلال لأي حلول سياسية حقيقية.

  • #الشرق_الأوسط
  • #المقاومة_الفلسطينية
  • #غزة_الصمود
  • #لبنان_المقاومة
  • #إيران_القوة
  • #الاحتلال_الصهيوني
  • #العدوان_الأمريكي
  • #فلسطين_قضيتنا
  • #وقف_العدوان
  • #طوفان_الأقصى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *