في ظل مساعي باكستان الحثيثة لتقريب وجهات النظر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة، اضطلعت إسلام أباد بدور صانع السلام العالمي، وتسعى من خلاله إلى تعزيز مكانتها الدبلوماسية وجذب الاستثمارات.
ويعمل المسؤولون الباكستانيون، الذين يتوسطون بين رئيس أمريكي غير متوقع ومسؤولين إيرانيين يتمسكون بمواقفهم المبدئية، على حث الطرفين على تهيئة الظروف لجولة ثانية من المحادثات في إسلام أباد هذا الأسبوع، بما في ذلك تخفيف التوتر في مضيق هرمز. وقد عبرت باكستان عن تفاؤلها بإمكانية عقد الاجتماع، معتبرة الاعتراضات التي أبدتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتهديدات دونالد ترامب بمثابة مواقف تكتيكية موجهة للجمهور المحلي.
إن ما هو على المحك ليس السلام الإقليمي فحسب، بل أيضاً مخاوف إسلام أباد من الانجرار إلى الصراع واعتمادها على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
لطالما صُورت باكستان على أنها دولة تواجه تحديات دولية، تحت تهديد التطرف الديني واقتصادها على حافة الهاوية، إلا أنها اغتنمت فرصة حيادها النسبي في الصراع لتلعب دور ‘الطرف الرشيد’ في المنطقة.
وقد ساهمت زيارة قائد الجيش الباكستاني القوي، المشير عاصم منير، إلى طهران الأسبوع الماضي، والتي استمرت ثلاثة أيام، في تحقيق وقف لإطلاق النار في الاعتداءات الصهيونية على لبنان، ونجاح قصير الأمد في فتح مضيق هرمز.
ويتوقع المسؤولون الباكستانيون تنازلات من الطرفين، بما في ذلك ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني السلمي، الذي يمثل النزاع الأكثر تعقيداً. وفي حال التوصل إلى اتفاق، تأمل باكستان أن يتوجه ترامب والرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى إسلام أباد لتوقيع الاتفاق.
وقد أعيد فرض طوق أمني حول وسط إسلام أباد يوم الأحد، مع إغلاق الطرق وإخلاء الفندقين الكبيرين هناك من النزلاء لإيواء الوفدين الإيراني والأمريكي – إذا عادا.
باكستان، الدولة الوحيدة المسلحة نووياً في العالم الإسلامي، بجيش يضم 600 ألف جندي، تعتقد أنها لم تستغل كامل إمكاناتها. ومع تشكل نظام عالمي متعدد الأقطاب، تسعى باكستان إلى نفوذ أكبر، مستخدمة ثقلها العسكري لموازنة نقاط الضعف المزمنة لاقتصادها الضعيف وسياستها المضطربة.
وقد أتاح هذا الانفتاح حاجة إدارة ترامب إلى وسيط مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي مهمة تولاها منير بعد اجتماع مفاجئ في يونيو 2025 بالبيت الأبيض مع ترامب. وبالنسبة لإيران، عزز الدعم الدبلوماسي لإسلام أباد خلال صراعها مع الكيان الصهيوني الذي دام 12 يوماً العام الماضي، العلاقات بين البلدين.
وقال علي سروار نقوي، الدبلوماسي الباكستاني الرفيع السابق الذي يرأس الآن مركز دراسات الأمن الدولي في إسلام أباد، إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تثق في الأماكن الدبلوماسية الأوروبية التقليدية، مثل جنيف وفيينا، لاستضافة المحادثات. وأضاف نقوي: ‘باكستان تحظى بثقة جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن [الأمم المتحدة]. وباكستان تحظى أيضاً بثقة إيران. باكستان دولة كبيرة، ذات قدرة نووية، وموقعها استراتيجي’.
وعلى مدى عقود، تمكنت باكستان من الموازنة بين علاقاتها الوثيقة مع بكين وواشنطن، وحافظت على شراكة عميقة مع دول الخليج. وقد تمكنت باكستان من الاستعانة بالصين لتقديم ضمانات للجمهورية الإسلامية الإيرانية للدخول في مفاوضات السلام.
وقال ضمير أكرم، السفير الباكستاني السابق، إن سفارة باكستان في واشنطن مثلت المصالح الإيرانية هناك منذ ثورة 1979، بينما أقامت باكستان محادثات سرية في عام 1971 أدت إلى إقامة علاقات دبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة.
وأضاف أكرم: ‘دور باكستان اليوم لم يأت من فراغ. مهمة باكستان الآن هي التأكد من أن كلا الجانبين يعتقد أنه يحصل على مخرج مشرف’.
وحتى في خضم دبلوماسيتها الرفيعة، ظهر ضعف باكستان الاقتصادي في الأيام الأخيرة، مع انقطاعات يومية للكهرباء لتوفير المال وقرض طارئ بقيمة 3 مليارات دولار (2.2 مليار جنيه إسترليني) من المملكة العربية السعودية. وهناك أمل في أن تتمكن باكستان، مع مكانتها العالمية الأكبر، من جذب المزيد من الاستثمارات، على الرغم من أن ذلك سيعتمد أيضاً على الإصلاحات الاقتصادية مثل خفض الضرائب وقوانين أكثر قوة.
وقال جوشوا وايت، المسؤول السابق في البيت الأبيض والذي يعمل الآن أستاذاً في جامعة جونز هوبكنز، إن عملية صنع السياسات التقليدية في واشنطن كانت ستشير إلى أن باكستان لديها علاقة صعبة مع إيران وأنها تفتقر إلى النفوذ.
وأضاف وايت: ‘لقد كانت باكستان متطورة ومرنة في التعامل مع إدارة ترامب. عملية صنع القرار في واشنطن اليوم شخصية للغاية، وتعتمد بشكل كبير على غرائز الرئيس ووجهات نظره وميوله. وقد استغل القادة الباكستانيون ذلك بالكامل، وهذا يحسب لهم’.
وقالت إليزابيث ثريلكيلد، الدبلوماسية الأمريكية السابقة ومديرة جنوب آسيا في مركز ستيمسون، وهو مركز أبحاث أمريكي، إن مكانة باكستان ارتفعت في واشنطن من خلال أدائها في الصراع مع الهند العام الماضي، ودورها الأكثر نشاطاً في الشرق الأوسط الذي شمل الانضمام إلى مبادرة ترامب لمجلس السلام، والاتفاق الدفاعي الذي وقعته العام الماضي مع المملكة العربية السعودية.
وأضافت ثريلكيلد: ‘طالما أن باكستان لا تضع توقعات غير واقعية لنتائج المحادثات وتستطيع استضافتها دون حوادث، فإنها ستستفيد من مجرد توفير فرصة للجانبين للالتقاء، وليس لديها الكثير لتخسره في هذه العملية’.
#باكستان_وساطة_السلام #الشرق_الأوسط #إيران_أمريكا #الدبلوماسية_الباكستانية #السلام_الإقليمي #مضيق_هرمز #البرنامج_النووي_الإيراني_السلمي #العلاقات_الدولية #الأمن_الإقليمي #إسلام_أباد
