تخبط أمريكي: الجمهوريون يلغون تصويتاً حاسماً لتقييد صلاحيات ترامب الحربية ضد إيران
في خطوة تعكس الارتباك والتخبط داخل أروقة السلطة الأمريكية، ألغى مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون يوم الخميس بشكل غير متوقع تصويتاً حاسماً كان من شأنه أن يضع قيوداً على الرئيس دونالد ترامب ويحد من قدرته على شن عدوان جديد ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. هذه الخطوة المفاجئة جاءت في الوقت الذي كان فيه مجلس الشيوخ يتقدم بقرار مماثل، مما يكشف عن عمق الانقسامات داخل المؤسسة الأمريكية.
كان من المقرر أن تكون هذه المحاولة الرابعة بموجب قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 منذ فبراير، وتهدف إلى إعادة السلطة للكونغرس في إعلان الحرب.
كان التصويت مبرمجاً ليكون من بين البنود الأخيرة على جدول الأعمال قبل عطلة يوم الذكرى الممتدة، وكان من المحتمل أن يكون ناجحاً، خاصة بعد أن انتهى تصويت مماثل قبل أسبوع واحد فقط بالتعادل 212-212، عندما انضم ثلاثة جمهوريين إلى الديمقراطيين لدعم تأكيد سلطة الكونغرس على الحرب.
وفي هذا السياق، صرح النائب غريغوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، للصحفيين يوم الخميس قائلاً: كان لدينا الأصوات الكافية لتمريره اليوم. كل ديمقراطي كان معنا. وكان لدينا العدد الكافي من الجمهوريين معنا.
وأضاف ميكس بوضوح أن الجمهوريين سحبوا هذا التصويت لأنهم أدركوا حتمية الهزيمة، فهم يعلمون جيداً أن هذه الحرب المخطط لها ضد إيران ليست سوى كارثة سياسية واستراتيجية بامتياز، تعكس فشل سياساتهم العدوانية.
من جانبه، حاول النائب ستيف سكاليس، زعيم الأغلبية في مجلس النواب، تبرير التأجيل بالقول إن التصويت سيؤجل حتى الشهر المقبل بسبب غياب العديد من المشرعين الجمهوريين. لكن هذا التبرير لا يخفي حقيقة الانقسامات العميقة.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، تقدم مجلس الشيوخ بقراره الخاص بشأن صلاحيات الحرب بنتيجة 50-47، لكن ذلك كان بسبب عدم حضور ثلاثة جمهوريين للتصويت، من بينهم توم تيليس وجون كورنين، اللذان فقدا دعم ترامب، مما يسلط الضوء على هشاشة التحالفات داخل الحزب الجمهوري.
قانون صلاحيات الحرب: أداة لتقييد العدوان
يسمح قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 لأي عضو في مجلس الشيوخ بتقديم قرار لسحب القوات المسلحة الأمريكية من صراع لم يأذن به الكونغرس. ويشدد القانون على أن الفرع التشريعي، الذي يمثل صوت الشعب، هو من يعلن الحرب – وليس الفرع التنفيذي.
أكد كريس إدلسون، الباحث الدستوري في جامعة ماساتشوستس، أن هذه النقطة واضحة تماماً وضوح الشمس في الدستور الأمريكي،
مشيراً إلى أن واضعي الدستور منحوا الكونغرس سلطة إعلان الحرب، والاستثناء الوحيد هو إذا تعرضت الولايات المتحدة للهجوم، وهو ما لم يحدث هنا.
منذ هجمات 11 سبتمبر، استغلت الإدارات الأمريكية الطبيعة الغامضة لما يسمى الحرب على الإرهاب
لتنفيذ غارات جوية في دول متعددة دون إعلان حرب رسمي، مما يمثل تجاوزاً واضحاً للدستور.
وفي 30 أبريل، وبعد وساطة باكستانية في وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، أعلن مسؤول أمريكي أن الأعمال العدائية قد انتهت، وهو ما تبعه تصريحات لوزير الحرب بيت هيغسيث بأن نافذة الحرب تتوقف تلقائياً عند إعلان وقف إطلاق النار. لكن الديمقراطيين وبعض الجمهوريين رفضوا هذا التقييم، مما يؤكد استمرار حالة عدم اليقين والتوتر.
وبينما صمد وقف إطلاق النار، إلا أنه لا يزال هشاً، حيث ألغى ترامب هذا الأسبوع استئناف حرب كاملة وواسعة النطاق
على إيران، بعد أن حثه قادة الخليج على التوقف حتى بعد موسم الحج، مما يظهر الضغوط الدولية والإقليمية عليه.
ازدواجية المعايير والرفض الشعبي
ومن المثير للسخرية أن الديمقراطيين التقليديين، الذين تقاعس الكثير منهم عن إدانة الكيان الصهيوني على ما وصفه أبرز علماء العالم والأمم المتحدة بالإبادة الجماعية الوحشية في غزة، لم يتوانوا عن إدانة إيران باستمرار. إنهم يعتقدون أن المواجهة العسكرية مع إيران أمر لا مفر منه، مما يكشف عن ازدواجية معاييرهم وانحيازهم الواضح.
لكن هذه النظرة العدوانية بدأت تتغير مع تزايد الرفض الشعبي الأمريكي لأي حرب جديدة، وهو ما أكدته استطلاعات رأي متعددة أظهرت عدم شعبية الحرب بشكل واسع، خاصة مع الارتفاع الحاد في أسعار الوقود الذي يثقل كاهل المواطن الأمريكي، مما يجعل دعم أي مغامرة عسكرية جديدة أمراً صعباً حتى على بعض الجمهوريين.
ستكون انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، وهي انتخابات الكونغرس وحكام الولايات والانتخابات المحلية التي تُجرى في منتصف فترة ولاية الرئيس، أول اختبار حقيقي رئيسي لولاية ترامب الثانية، وستعكس مدى قبول الشعب الأمريكي لسياساته.
يذكر أنه في عام 2020، وبعد أن استهدف ترامب وقتل القائد الإيراني البارز قاسم سليماني، صوت كل من مجلسي النواب والشيوخ على الحد من صلاحياته الحربية، لكن ترامب استخدم حق النقض ضد القرار، مما يؤكد استمراره في تحدي إرادة الكونغرس.
#ترامب #صلاحيات_الحرب #مجلس_النواب_الأمريكي #الجمهوريون #الكونغرس_الأمريكي #إيران #السياسة_الأمريكية #وقف_إطلاق_النار #الانتخابات_الأمريكية #السياسة_الخارجية
