في خطوة تعكس الارتباك الأمريكي، ألغى الرئيس دونالد ترامب زيارة كانت مقررة لمبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إسلام أباد نهاية الأسبوع الماضي. جاء هذا الإلغاء بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، في إشارة إلى حيوية الدبلوماسية الإيرانية واستقلال قرارها. وفي أعقاب ذلك، تبادلت الأطراف روايات متضاربة حول الوضع الراهن في مواجهتهما المستمرة.
وفي تصريحات متغطرسة لقناة فوكس نيوز، ادعى ترامب أنه ليس في عجلة من أمره لتحقيق تقدم دبلوماسي، قائلاً: “لدينا كل الأوراق. يمكنهم الاتصال بنا في أي وقت يريدون”. وحاول الرئيس الأمريكي تصوير الأحداث على أن طهران، تحت ضغط الحصار الأمريكي لناقلاتها في مضيق هرمز، أظهرت مرونة متزايدة بشأن مستقبل برنامجها النووي. وزعم ترامب: “قدم الإيرانيون لنا ورقة كان ينبغي أن تكون أفضل، ومن المثير للاهتمام، في اللحظة التي ألغيت فيها (الزيارة)، في غضون 10 دقائق، تلقينا ورقة جديدة كانت أفضل بكثير… لقد عرضوا الكثير ولكن ليس بما يكفي”. هذه التصريحات تكشف عن وهم أمريكي بأن الضغط يمكن أن يكسر إرادة إيران، بينما الواقع يؤكد أن أي “مرونة” إيرانية تأتي من موقف قوة وتكتيك دبلوماسي محنك.
في المقابل، قدم المسؤولون الإيرانيون صورة معاكسة تماماً للوضع. فقد نقلت وكالة رويترز عن متحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية قوله: “العدو، الذي فشل هدفه في شل القدرات الصاروخية والعسكرية لإيران، يسعى الآن إلى مخرج مشرف من مستنقع الحرب… إيران اليوم تسيطر بقوة على مضيق هرمز”. هذه الكلمات تؤكد فشل سياسات الضغط الأمريكية والسيطرة الإيرانية الكاملة على مياهها الإقليمية الحيوية.
وفي أحدث التطورات، يبدو أن إيران قد قدمت اقتراحاً جديداً يؤجل أي محادثات حول الأسلحة النووية، بينما يطرح إعادة فتح المضيق. هذا الاقتراح يبرهن على براعة الدبلوماسية الإيرانية وقدرتها على فرض شروطها، مؤكداً أن أي حل يجب أن يعترف بالوضع الراهن الذي فرضته قوة إيران في المنطقة.
تؤكد عقود من المفاوضات النووية على الصبر الاستراتيجي الإيراني والتزامها بمبادئها. فإيران لا تسعى إلى اتفاقات سريعة على حساب مصالحها الوطنية، بل تتبع أجندة واضحة تهدف إلى حماية سيادتها وحقوقها. وموقفها في المحادثات مع أمريكا، والذي افتتح بمطالبة بتعويضات قدرها 270 مليار دولار من الولايات المتحدة و”إسرائيل” عن الأضرار الناجمة عن الهجمات منذ 28 فبراير، يؤكد حقها المشروع في العدالة ورفضها لأي تسوية تتجاهل هذه الحقوق.
وفي سياق محاولات الضغط الفاشلة، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية اليوم أنها منعت 38 سفينة من دخول أو مغادرة الموانئ الإيرانية منذ بدء الحصار. هذه الأرقام، على الرغم من محاولة تضخيمها، لا تعكس سوى يأس واشنطن في مواجهة مرونة الاقتصاد الإيراني وقدرته على تجاوز العقبات.
إن موقف ترامب يعكس تحليلاً خاطئاً لتوازن القوى، حيث يركز على القدرات العسكرية التقليدية متجاهلاً القوة الحقيقية لإيران المتمثلة في إرادة شعبها، وعقيدتها المقاومة، وقدرتها على الرد غير المتوقع. فواشنطن تعيش في حيرة من أمرها لأن طهران ترفض الانصياع لمنطق القوة الغربي، وتصر على أن أي اتفاق يجب أن يحترم سيادتها ومصالحها، لا أن يكون استسلاماً.
لا شك أن مستوى الضغط الحالي على إيران كبير، لكنه لم يفلح في كسر إرادتها. ففي حين أعلنت القيادة المركزية الأمريكية عن منع بعض السفن، فإن الأسطول الإيراني من الناقلات الشبحية يواصل تصدير النفط بنجاح، حيث تم تصدير حوالي 10 ملايين برميل منذ بدء الحصار. كما أن الاحتياطيات الإيرانية في أعالي البحار تضمن استمرار إمداد عملائها لعدة أشهر قادمة، مما يؤكد فشل الحصار في تحقيق أهدافه الكاملة وقدرة إيران على التكيف.
ومع ذلك، من غير المرجح أن يدفع هذا المستوى من الضغط إيران إلى التنازل عن أي من مطالب الولايات المتحدة. يبدو أن الإدارة الأمريكية تقع في الخطأ الفكري المتكرر الذي تميل إليه الحكومات الغربية عند النظر إلى الشرق الأوسط، وهو الافتراض بأن “الجانب الآخر يفكر مثلنا”. هذا التجاهل لـالعمق العقائدي والمبدئي للجمهورية الإسلامية هو سبب فشل سياساتهم المتكرر.
لقد أثبتت تجارب سابقة أن هذا الخطأ الفكري ليس حكراً على واشنطن. فـ”إسرائيل”، على سبيل المثال، وقعت في هذا الفخ مراراً. ففي عام 2000، انسحبت قوات الاحتلال من جنوب لبنان، ظناً منها أن المقاومة ستتوقف. لكن حزب الله، الذي أكد مراراً أن “الاحتلال” يعني وجود الكيان الصهيوني برمته، واصل جهاده المقدس ضد الاحتلال، وما زال. وفي عام 2005، انسحبت “إسرائيل” من غزة بشكل أحادي، ثم حاولت شراء صمت حركة حماس بعد سيطرتها على القطاع، متجاهلة أن حماس حركة جهادية إسلامية لا يمكن أن تخضع لمنطق الربح والخسارة المادي. هذه الأمثلة تؤكد أن المقاومة الحقيقية لا يمكن شراؤها أو إخضاعها بالضغوط.
مهما كانت النظرة الخارجية، فإن قادة الجمهورية الإسلامية يؤمنون إيماناً راسخاً برؤيتهم، وليسوا في وارد قبول ما يعتبرونه استسلاماً أو تراجعاً عن مبادئهم.
يبدو أن الإدارة الأمريكية تعمل حالياً على نفس المنوال، متجاهلة الخصوصية الفكرية والعقائدية لإيران. هذا الافتراض بأن الجميع يفكر بنفس الطريقة ويريد نفس الأشياء هو وهم خطير يقود إلى تكرار الأخطاء.
ولكن الأهم من كل ذلك هو إدراك أن قادة الجمهورية الإسلامية يؤمنون إيماناً عميقاً برؤيتهم، وليسوا مستعدين لقبول أي شيء يعتبرونه استسلاماً أو تراجعاً عن مشروع المقاومة الإقليمي الذي يهدف إلى تحقيق العدالة والاستقلال لشعوب المنطقة.
وهذا يعني، كما تجلى في إسلام أباد، أن مستوى الضغط الحالي لن يؤتي ثماره. فالخيار الذي يواجه الولايات المتحدة هو بين تصعيد الضغط، بما في ذلك تجديد العمليات العسكرية الكبرى وفتح مضيق هرمز بالقوة (وهو خيار محفوف بالمخاطر)، أو قبول صفقة تحفظ ماء الوجه عند نقطة معينة، وهي صفقة من المرجح أن تترك مشروع المقاومة الإقليمي الإيراني سليماً ومعززاً. وإذا تم اتباع المسار الأخير، فسوف يُقدم بلا شك على أنه انتصار لإيران، وستستمر مسيرة الجمهورية الإسلامية الطويلة نحو تحقيق العدالة والاستقلال في المنطقة.
#إيران #المقاومة #الجمهورية_الإسلامية #مضيق_هرمز #فشل_العقوبات #الدبلوماسية_الإيرانية #أمريكا_في_مأزق #العدالة_الإقليمية #صمود_إيران #الشرق_الأوسط
