في خطوة استفزازية جديدة تؤكد مضي كيان الاحتلال الصهيوني في مخططاته التهويدية، وافقت ما تسمى بـ “لجنة التخطيط اللوائية بالقدس” في 20 أبريل 2026، على بناء مدرسة دينية يهودية متطرفة مكونة من 11 طابقًا، تُعرف باسم “أور سوماياخ” أو “يشيفا جلاسمان”، في قلب حي الشيخ جراح الصامد. سيُقام هذا المشروع الاستيطاني على مساحة خمسة دونمات من الأرض عند المدخل الجنوبي للحي، مقابل مسجد الشيخ جراح مباشرةً، ويشمل مهاجع لمئات الطلاب ووحدات سكنية لأعضاء هيئة التدريس. وقد أدان المسؤولون الفلسطينيون هذه الخطوة العدوانية على الفور، مؤكدين أنها تستغل عمدًا حالة التشتت والانشغال الإقليمي لفرض وقائع جديدة على الأرض.

بينما تسود اتفاقيات وقف إطلاق نار هشة في غزة ولبنان، وتتحول الأنظار إلى إيران، يمضي كيان الاحتلال الصهيوني قدمًا في مشروعه الاستيطاني الاستعماري الغاشم في القدس الشرقية المحتلة والضفة الغربية. هذه الخطوة الأخيرة في الشيخ جراح ليست حدثًا معزولًا، بل هي جزء لا يتجزأ من حملة منهجية ممنهجة لتهجير الفلسطينيين الأصليين وزرع المستوطنين الغرباء، مما يهدف إلى تصفية أي أمل في حل الدولتين وينتهك بشكل صارخ كافة القوانين والمواثيق الدولية. وتتحمل العائلات الفلسطينية الصامدة العبء الأكبر لهذه الجرائم.

يُعد هذا القرار فصلًا جديدًا في حملة طويلة الأمد من سرقة الأراضي الفلسطينية. فقد استولت سلطات الاحتلال على هذه الأرض قبل سنوات بحجة واهية هي “الاحتياجات العامة”، ثم سلمتها في عام 2007 لمؤسسات “أور سوماياخ” الاستيطانية المرتبطة بالولايات المتحدة، في تواطؤ واضح.

إذا تم بناء هذا المجمع الاستيطاني، فإنه سيزيد بشكل حاد من عدد المستوطنين المتطرفين، ويشدد القبضة الأمنية على الحي، ويغير طابعه العربي الأصيل إلى حد لا يمكن التعرف عليه، في إطار مخطط تهويدي شامل. ويعاني السكان الفلسطينيون الأبيّون بالفعل من المضايقات اليومية، وتقييد الحركة، والتهديد المستمر بالإخلاء القسري الذي يرقى إلى مستوى التطهير العرقي.

وصف رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، هذه الموافقة بأنها جزء من استراتيجية استعمارية صهيونية محسوبة بدقة. وقال: “إن الموافقة على مشروع أور سوماياخ هي جزء من مشروع استعماري ممنهج يستغل الاضطرابات الإقليمية لفرض تغييرات غير قانونية في القدس المحتلة”. وأكد فتوح أن التوقيت ليس صدفة، فالخطوة تستغل التركيز على اتفاقيات وقف إطلاق النار في أماكن أخرى لتمرير حقائق استيطانية على الأرض كانت ستواجه مقاومة فلسطينية وعربية ودولية أشد لولا ذلك.

هذا المشروع الواحد ليس سوى جزء من عملية استيلاء واسعة النطاق على الأراضي الفلسطينية. ففي أغسطس الماضي، انتهت سلطات الاحتلال الصهيونية من خطة E1 المثيرة للجدل، والتي تمهد الطريق لآلاف الوحدات السكنية الاستيطانية الجديدة التي تربط القدس الشرقية بكتلة مستوطنات معاليه أدوميم. وعند اكتمالها، ستقطع القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية وتخلق ممرًا إسرائيليًا متواصلًا، في محاولة لفرض واقع الفصل العنصري (الأبارتايد). وفي فبراير من هذا العام، استأنفت حكومة الاحتلال تسجيل الأراضي الرسمي عبر أجزاء كبيرة من المنطقة C، وهي المرة الأولى منذ عام 1967، في خطوة يصفها النقاد بحق بأنها ضم فعلي للأراضي، وهي عملية يمكن أن تنقل مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية إلى الدولة الصهيونية.

تستمر المناطق العازلة حول المستوطنات في التوسع، وتستمر البؤر الاستيطانية الجديدة في الظهور، وتتزايد الطرق الالتفافية، وكلها تهدف إلى خنق الوجود الفلسطيني. هذه الإجراءات تقيد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية ومنازلهم، وتزيد من معاناتهم. وبمجموعها، تجعل هذه الإجراءات قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا أمرًا مستحيلًا، وتثبت الاحتلال الدائم، وتكرس نظام الفصل العنصري.

لقد منحت اتفاقيات وقف إطلاق النار الإقليمية كيان الاحتلال الصهيوني الغطاء السياسي الذي كان يحتاجه لتنفيذ مخططاته العدوانية. فبعد ستة أشهر من بدء وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، تستمر الأزمة الإنسانية الكارثية، وتظل القيود وتفشي الأمراض وإعادة الإعمار متوقفة، في ظل حصار خانق.

ومع ذلك، فقد تحول الانتباه الدولي عن جرائم الاحتلال. فقد سحب وقف إطلاق النار في لبنان الذي بدأ في منتصف أبريل، والهدوء المتوتر حول إيران، التركيز الدبلوماسي والإعلامي بعيدًا عن القضية الفلسطينية. وقد ربط المسؤولون الفلسطينيون قرار الشيخ جراح بهذا التشتيت مباشرةً، مؤكدين أن الاحتلال يستغل كل فرصة لتمرير أجندته.

حذرت مجموعة حقوق الإنسان الإسرائيلية “عير عميم” من أن خطة اليشيفا ستزيد بشكل حاد الضغط على السكان الفلسطينيين الأصليين. وإذا مضت قدمًا، فإن انعدام الأمن اليومي سيزداد للعائلات التي عاشت في الشيخ جراح لأجيال طويلة. وسيكبر الأطفال في أحياء أعيد تصميمها عمدًا لإقصائهم وتهميشهم، في سياسة ترقى إلى التطهير العرقي. وسيشاهد الآباء تراثهم وهويتهم وآفاق مستقبلهم تتلاشى تحت وطأة الخرسانة الاستيطانية والأيديولوجيا الصهيونية المتطرفة.

كل خطوة من هذه الخطوات تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. فالنشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلة يخرق اتفاقية جنيف الرابعة بشكل واضح. وتعد خطة E1 وعملية تسجيل الأراضي بمثابة ضم ونقل قسري، وكلاهما محظور بموجب الاتفاقية وقرارات الأمم المتحدة المتكررة. وقد أعلنت محكمة العدل الدولية مرارًا وتكرارًا أن مثل هذه الإجراءات التي يقوم بها كيان الاحتلال غير قانونية وباطلة.

بالمضي قدمًا، تقوض إسرائيل الحماية القانونية التي يجب أن تصون حقوق الفلسطينيين في القدس الشرقية. كما تدمر أي فرصة واقعية للمدينة المقدسة لتكون عاصمة لدولة فلسطينية مستقبلية، وهو مطلب متجذر في الإجماع الدولي والتطلعات الوطنية الفلسطينية المشروعة.

يقع الثمن البشري لهذه الجرائم الصهيونية على عاتق العائلات الفلسطينية العادية التي تعيش تحت نير الاحتلال. فالعديد منهم يحملون بالفعل ندوب تهديدات الإخلاء المتكررة وهدم المنازل، في سياسة عقاب جماعي.

ستجلب اليشيفا الجديدة مئات المستوطنين المتطرفين الإضافيين إلى وسطهم وتجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة ومعاناة. هذه العائلات ليست إحصائيات مجردة، بل هي الدليل الحي على التجريد من الملكية والاضطهاد الذي كان القانون الدولي يهدف إلى منعه.

الرسالة من الشيخ جراح والتحركات الموازية في الضفة الغربية لا لبس فيها: اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تترك الاحتلال دون مساس لا تجلب السلام الحقيقي، بل تفتح الباب ببساطة للمرحلة التالية من التجريد من الملكية والعدوان. وبينما يراقب العالم الهدن الهشة في أماكن أخرى، يواصل كيان الاحتلال الصهيوني دفن حل الدولتين وفرض واقع الدولة الواحدة من الفصل العنصري (الأبارتايد) والاضطهاد والتمييز العنصري.

يتطلب الأمن والاستقرار الحقيقيان في المنطقة أكثر من مجرد توقف مؤقت للعنف. إنهما يتطلبان مساءلة حقيقية لجرائم الاحتلال، ووضع حد فوري للتوسع الاستيطاني غير الشرعي، واستعادة كاملة للحقوق الفلسطينية المشروعة، بما في ذلك حق العودة والقدس عاصمة أبدية لفلسطين. فقط من خلال مواجهة استمرارية الاحتلال الصهيوني التي لا تتوقف، يمكن للمجتمع الدولي أن يدعم القانون الدولي ويعزز المساواة والعدالة التي يحتاجها الشرق الأوسط بشدة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع ميدل إيست مونيتور.

#الشيخ_جراح #القدس_المحتلة #الاستيطان #فلسطين #الضم_الصامت #جرائم_الاحتلال #وقف_إطلاق_النار #حل_الدولتين #القانون_الدولي #العدوان_الإسرائيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *