تداعيات حرب الشرق الأوسط على الأسواق العالمية: من الفستق إلى النحاس والجلود

مع ارتفاع أسعار النفط وإغلاق طرق الشحن الرئيسية بسبب الحرب في الشرق الأوسط، تتجلى الآثار التراكمية لهذه الأحداث في أسواق مختلفة حول العالم. تتأثر سلع متنوعة من الفستق والموز إلى السلع الجلدية الفاخرة، حيث تضطر الصناعات إلى التكيف مع سلاسل التوريد المعطلة وارتفاع التكاليف، مما يعكس ترابط الاقتصاد العالمي وتأثره بالأزمات الإقليمية.

الفستق الإيراني: جودة تتحدى التحديات

تتسبب الحرب في الشرق الأوسط في ارتفاع أسعار الفستق، الذي كان سعره مرتفعًا بالفعل بسبب انخفاض الإنتاج لعامين متتاليين في الولايات المتحدة وإيران وتركيا، وهي الدول الثلاث الكبرى المنتجة عالميًا. يضاف إلى ذلك تزايد الطلب في قطاع تصنيع الأغذية والشوكولاتة الفاخرة، مثل شوكولاتة دبي الشهيرة المحشوة بالفستق.

إيران، التي تزود حوالي ثلث الصادرات العالمية، ولا سيما الشحنات عالية الجودة إلى الاتحاد الأوروبي، شهدت اضطرابًا في صادراتها بسبب الحصار المفروض على مضيق هرمز. هذا الحصار، الذي يهدف إلى الضغط على الاقتصاد الإيراني، يؤثر على تدفق هذه السلعة الاستراتيجية.

بينما لا يزال الشركاء في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يمتلكون مخزونات من الفستق، وفقًا لخوسيه غوتيريز فرنانديز، محلل سوق المكسرات والتوابل في S&P Global، إلا أنه قد تكون هناك مشاكل إمداد إضافية إذا لم يتم تجديد هذه المخزونات قريبًا. في هذا السياق، يمكن لتركيا أن تبرز كمورد رئيسي للشرق الأوسط، لكن جودة الفستق الإيراني تبقى علامة فارقة.

الموز الإكوادوري: تحديات لوجستية

تواجه الإكوادور، أكبر مصدر للموز في العالم، نقصًا في الحاويات وارتفاعًا في الرسوم الإضافية للوقود البحري. تم تأخير أكثر من 2.5 مليون صندوق من الموز بوزن 18 كيلوغرامًا، وفقًا لجمعية تسويق وتصدير الموز في الإكوادور (أكوربانيك)، وهو ما يمثل ضربة كبيرة لبلد يصدر ما بين ستة وسبعة ملايين صندوق أسبوعيًا.

قد يخفف ارتفاع الطلب بنسبة خمسة بالمائة من حدة الضربة، لكن القطاع يظل عرضة لارتفاع أسعار النفط والغاز. يقول دينيس لويليت، الاقتصادي الذي يدرس قطاع الموز في المركز الفرنسي لأبحاث الزراعة والتنمية (CIRAD): “الموز هو في الأساس نفط محوّل”. فالإنتاج والنقل كثيفان في استهلاك الطاقة، من استخدام الأسمدة إلى النضج والتعبئة.

الأفوكادو الكيني: آمال معلقة

انخفضت شحنات الأفوكادو من كينيا، ثالث أكبر مصدر في العالم، إلى النصف في أواخر مارس مقارنة بالعام الماضي، حيث قفزت أوقات النقل إلى الموانئ الأوروبية من 30 إلى 50-56 يومًا، بسبب التأخيرات في ميناء صلالة العماني، الذي تضرر من هجمات حديثة. هذا يمثل انتكاسة كبيرة لقطاع الأفوكادو الكيني، الذي اكتسب مصداقية في السوق في السنوات الأخيرة.

مع تحسن تقنيات الزراعة والتنظيم الأفضل، ارتفعت جودة الأفوكادو الكيني وجاهزيته للتصدير، مما وضعه في منافسة مباشرة مع بيرو. مع هذا التباطؤ، قد يتحول المنتجون الكينيون إلى معالجة زيت الأفوكادو، وهو بديل أقل ربحية، أو استكشاف السوق التركية كبوابة إلى روسيا.

استقرار الحبوب وسط عدم اليقين

على عكس حرب أوكرانيا، لم يتسبب الصراع في الشرق الأوسط في ارتفاع أسعار الحبوب. بعد ارتفاع وجيز، استقرت أسعار القمح والذرة وفول الصويا بالقرب من مستويات ما قبل الحرب، بفضل الإمدادات العالمية الوفيرة. ويظل الطلب من المستوردين في الشرق الأوسط منخفضًا، حيث قامت العديد من الدول بتخزين احتياجاتها قبل الحرب.

لكن الأسعار لا تزال تتأثر بارتفاع تكاليف النفط. يقول آرثر بورتييه، المستشار في Argus Media France: “الارتباط قوي جدًا”. يأتي التهديد الحقيقي من نقص الأسمدة. حوالي 30 بالمائة من الصادرات العالمية من اليوريا، وهو سماد رئيسي مصنوع من الغاز الطبيعي، تأتي من الشرق الأوسط، وخاصة إيران وقطر والمملكة العربية السعودية.

لقد تقطعت السبل بالشحنات مع إغلاق مضيق هرمز، مما يعكس الضغوط الجيوسياسية على الممرات المائية الحيوية. كما أدت الهجمات على البنية التحتية للطاقة إلى تعطيل الإنتاج. أوقفت قطر، أكبر مصنع لليوريا في العالم، عملياتها في مارس بعد ضربات بطائرات مسيرة. تسعى الهند، أكبر مشتر للأسمدة في المنطقة، الآن إلى بدائل في مصر ونيجيريا. إذا استمرت أسعار الأسمدة في الارتفاع، فستتبعها تكاليف الزراعة وقد يشعر العالم قريبًا بتأثير ذلك على أسعار الغذاء.

نقص الكبريت يضرب التعدين

أثر إغلاق مضيق هرمز على إمدادات الكبريت وحمض الكبريتيك، وهما ضروريان لتكرير النحاس والنيكل والكوبالت. يزود الشرق الأوسط 40 بالمائة من الصادرات العالمية، لكن لم تغادر أي شحنة الخليج الفارسي منذ منتصف مارس. هناك أكثر من 510,000 طن عالقة على متن السفن بانتظار عبور المضيق، وفقًا لمحلل السوق Kpler.

ستوقف الصين، ثاني أكبر منتج في العالم، صادرات حمض الكبريتيك اعتبارًا من مايو لإعطاء الأولوية لاحتياجاتها المحلية من الأسمدة. يمكن أن تستفيد دول أخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وكذلك بعض المصدرين الأوروبيين، لكن لن يعوض أي منهم النقص بالكامل، وستكون تشيلي، أكبر منتج للنحاس في العالم، الأكثر تضررًا.

تأثيرات على سوق السلع الفاخرة

يعاني سوق الجلود، المرتبط بالسلع الفاخرة، مع انخفاض الطلب في الشرق الأوسط. بينما تتصدر الهند والصين في الجلود الخام، تهيمن فرنسا وإيطاليا على السلع الراقية، مثل الملابس والأحذية والإكسسوارات. يقول فيليب جيلبرت، مدير المرصد الاقتصادي لـ Alliance France Cuir: “فرنسا هي رابع أكبر مصدر للمنتجات الجلدية، بعد الصين وفيتنام وإيطاليا”.

لقد تراجع العملاء الخليجيون، الذين كانوا محركين رئيسيين للنمو، منذ بداية الحرب. أعلنت أكبر العلامات التجارية الفاخرة في العالم، LVMH و Hermès، عن انخفاض في المبيعات بنسبة 50 بالمائة و 40 بالمائة على التوالي في مارس. لكن “القطاع يظل مرنًا”، وفقًا لجيلبرت، مع تحول التركيز إلى آسيا والولايات المتحدة، مما يبرز قدرة هذه الصناعات على التكيف مع التحديات.

#الشرق_الأوسط #الاقتصاد_العالمي #الفستق_الإيراني #مضيق_هرمز #سلاسل_الإمداد #أسعار_النفط #الأسمدة #صناعة_الجلود #التعدين #الأزمات_الجيوسياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *