تضطلع مراكز الفكر والأبحاث في الولايات المتحدة بدور محوري في صياغة السياسات؛ فهي ليست مجرد مراقبين أكاديميين، بل لاعبون مؤثرون يسهمون في رسم السيناريوهات المستقبلية التي توجه السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية.
تعتمد المؤسسات في واشنطن بشكل كبير على الدراسات والتوقعات الصادرة عن هذه المراكز، وتعتبرها مؤشرات مبكرة للتحولات العالمية ومقاييس للرأي العام، سواء داخل الولايات المتحدة أو على الصعيد الدولي. وفي هذا السياق، يظل الشرق الأوسط أولوية قصوى، نظراً لتشابك قضاياه الأمنية، وديناميكيات الطاقة، والضغوط الاقتصادية، والتوترات الجيوسياسية الممتدة.
وقد تجلى هذا الاهتمام في أجندة “بعثة طرق الأبواب” إلى واشنطن العاصمة، التي نظمتها الغرفة التجارية الأمريكية في مصر، وشملت لقاءات مكثفة مع مراكز الفكر الرائدة لتعزيز الحوار المباشر مع مجتمع السياسات والأبحاث في واشنطن.

الاقتصاد في الصميم: صراعات ذات تداعيات عالمية
خلال اجتماعات الوفد في واشنطن، استعرض باحثون بارزون من المجلس الأطلسي، ومعهد الشرق الأوسط، ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، التداعيات واسعة النطاق للتوترات الإقليمية المستمرة.
وأكدوا أن أي تصعيد عسكري، لا سيما المرتبط بإيران أو نقاط التوتر مثل مضيق هرمز، ستكون له تداعيات اقتصادية عالمية فورية وبعيدة المدى. ومن المرجح أن تؤدي الاضطرابات في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وفي نهاية المطاف، تغذية ارتفاع الأسعار للسلع والخدمات في جميع أنحاء العالم.
وأشاروا إلى أن مثل هذه الصدمات تميل إلى إثارة ضغوط تضخمية تتجاوز المنطقة بكثير. وعلاوة على ذلك، فإن التداعيات الاقتصادية غالباً ما تستمر لفترة أطول من الصراع نفسه، حيث تتطلب الأسواق العالمية فترات ممتدة لتحقيق الاستقرار، اعتماداً على مرونة الاقتصادات الفردية وقدرتها على التكيف.

مصر: بين الضغوط والفرص
لاحظ الخبراء أن مصر قد شعرت بالفعل بتأثير عدم الاستقرار الإقليمي، لا سيما من خلال تراجع حركة المرور في قناة السويس، مما أثر على إيرادات العملات الأجنبية.
ومع ذلك، فقد سلطوا الضوء أيضاً على نقاط القوة الهيكلية للبلاد، بما في ذلك الاستقرار السياسي النسبي، والإصلاحات الاقتصادية المستمرة، والاستثمار المتواصل في البنية التحتية. وهذه العوامل، كما جادلوا، تعزز قدرة مصر على امتصاص الصدمات الخارجية.
وفي الوقت نفسه، فإن التحولات في سلاسل التوريد العالمية – التي تسارعت بفعل جائحة كوفيد-19 وتفاقمت بسبب التوترات الجيوسياسية – تدفع الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الإنتاجية والاستثمارية. وهذا التوافق الجديد يمثل فرصة لدول مثل مصر لتضع نفسها كمراكز بديلة في التوزيع العالمي للتصنيع والخدمات اللوجستية.
وفي هذا السياق، تكتسب المناطق الاقتصادية – ولا سيما المنطقة الاقتصادية لقناة السويس – أهمية متزايدة كنقاط محورية للاستثمار في الصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة والخدمات الموجهة للتصدير.

روبرت ساتلوف: منطقة سيناريوهات متداخلة
جادل روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بأن الشرق الأوسط لا يمكن فهمه من خلال مسار واحد. بل يجب النظر إليه كمجموعة من السيناريوهات المتداخلة والمتطورة التي تشكلها الجهات الفاعلة المتنافسة والديناميكيات المتغيرة.
ولاحظ أن اللاعبين الرئيسيين، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ومختلف حركات المقاومة، يواصلون تأطير الصراع من حيث النصر والهزيمة بدلاً من التسوية. وقال إن هذه العقلية توسع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الدبلوماسي.
ونتيجة لذلك، تظل آفاق التسويات السياسية المستدامة محدودة، لا سيما وأن بعض الفاعلين يسعون لتحقيق أهداف قصوى قد تمتد إلى إقصاء خصومهم. وهذا الديناميكية تساهم في شلل دبلوماسي أوسع، حيث غالباً ما يتقدم التصعيد على التفاوض.

أزمات مترابطة: إيران، غزة، ولبنان
فيما يتعلق بإيران، أشار ساتلوف إلى الطبيعة المجزأة للنظام السياسي في البلاد، حيث تعقد مراكز القوى المتعددة آفاق التحولات الاستراتيجية الحاسمة.
وفي غزة، أشار إلى أن هدف إسرائيل المعلن بإنهاء حكم حماس لا يزال محل جدل كبير، مع نقاش مستمر حول جدواه وتكاليفه المحتملة.
أما لبنان، فيقدم صورة مختلفة ومعقدة بالقدر نفسه، مع جهود جارية لإعادة توازن دور حزب الله داخل مؤسسات الدولة، وإن كان ذلك بدون ضمانات واضحة لنتائج سريعة أو دائمة.

السياسة الأمريكية: استراتيجية تتجاوز الشعارات
وتناول ساتلوف أيضاً طبيعة صنع السياسة الأمريكية، مشيراً إلى أن الشعارات السياسية مثل “أمريكا أولاً” لا تعكس بشكل كامل الحسابات الاستراتيجية الأساسية. ففي الممارسة العملية، كما قال، تستمر القرارات السياسية في التشكيل من خلال موازنة دقيقة بين الأولويات الاقتصادية والمصالح الجيوسياسية.
وفي هذا الإطار، هناك اعتراف متزايد في واشنطن بأهمية الشراكات مع دول مثل مصر، لا سيما في مجالات مثل الاستثمار ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.

منطقة في حالة تحول
خلصت المناقشات إلى أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة طويلة وغير مكتملة من إعادة التشكيل، حيث تتشابك الديناميكيات الأمنية والاقتصادية والسياسية بشكل عميق.
وفي غياب إطار إقليمي متماسك، ووسط مشهد صنع قرار مجزأ بشكل متزايد، تظل المنطقة مفتوحة لمسارات متعددة، مع عدم وجود تسوية واضحة طويلة الأمد في الأفق.

#الشرق_الأوسط #السياسة_الأمريكية #مراكز_الفكر #مخاطر_اقتصادية #توترات_جيوسياسية #مصر #قناة_السويس #إيران #غزة #لبنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *