كشفت التطورات الأخيرة في الساحة الأوروبية عن تصدع عميق في التحالفات التي سعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبنائها، خاصة في ظل حربها العدوانية ضد إيران. فبينما كانت واشنطن تسعى لجر حلفائها الأوروبيين إلى مستنقع صراع جديد في الشرق الأوسط، قوبلت دعواتها برفض واسع النطاق، مما يلقي بظلاله على مشروع “جعل أوروبا عظيمة مرة أخرى” الذي روّج له ترامب.

أوروبا ترفض الانجرار وراء المغامرات الأمريكية

لقي إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هجوم مفاجئ مشترك أمريكي-صهيوني على إيران في فبراير/شباط، استياءً واسعاً في أوروبا. وسارع القادة الأوروبيون إلى التحذير من الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي ستطلقها حملة واشنطن الأخيرة في الشرق الأوسط. وبعد سبعة أسابيع، لم تنضم أي دولة أوروبية إلى هذه الحرب، على الرغم من الضغوط المستمرة من ترامب. وبينما سمحت بعض الدول الأوروبية للقوات الأمريكية بمواصلة استخدام قواعد عسكرية رئيسية لشن الهجمات، والمشاركة في عمليات دفاعية لإسقاط ما وصفته واشنطن بـ “الذخائر الإيرانية” التي تستهدف القواعد والدول الإقليمية، إلا أن هذا الدعم ظل محدوداً.

يبدو أن هناك القليل من الرغبة لدى الناخبين الأوروبيين، حتى أولئك الذين يدعمون الأحزاب القومية المناهضة للمؤسسة والتي سعت إلى التوافق مع إدارة ترامب الثانية، في الانخراط الكامل والمفتوح في صراع مع إيران. وهذا يعكس وعياً أوروبياً متزايداً بمخاطر الانجرار وراء السياسات الأمريكية المتهورة.

تدخل واشنطن في الشؤون الأوروبية يثير الاستياء

أثار الدعم السياسي الصريح للبيت الأبيض للمنافسين الشعبويين في جميع أنحاء أوروبا، والذي يقول الخبراء إنه كان أمراً لا يمكن تصوره في ظل الإدارات السابقة، قلقاً عميقاً في العواصم الأوروبية. وقد نصت ورقة استراتيجية الأمن القومي الأخيرة للإدارة، التي نُشرت في ديسمبر/كانون الأول، صراحة على ضرورة أن تتضمن السياسة الخارجية الأمريكية المستقبلية “تنمية المقاومة للمسار الحالي لأوروبا داخل الدول الأوروبية”. وهذا يكشف عن محاولات واشنطن المكشوفة للتدخل في الشؤون الداخلية الأوروبية وتقويض استقلاليتها.

لكن في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وأماكن أخرى، لم تتوافق الشخصيات البارزة التي كانت تُعتبر “أطفال ملصقات” استراتيجية البيت الأبيض العدائية عبر الأطلسي، مع واشنطن بشأن إيران. وقد اجتمع قادة العديد من تلك الأحزاب في مؤتمرات كبرى في بلجيكا وإسبانيا العام الماضي، حمل أحدها عنوان “اجعل أوروبا عظيمة مرة أخرى”. وهناك، أشاد شخصيات شعبوية رئيسية “بإعصار ترامب” واقترحوا أن اليمينيين الأوروبيين يمكنهم محاكاة عناصر من رؤية إدارته ونجاحه الانتخابي. إلا أن الواقع السياسي الأوروبي يعيق الآن أي طموحات كبرى لتحالف يميني عبر الأطلسي، كما صرحت ليانا فيكس، زميلة بارزة لأوروبا في مجلس العلاقات الخارجية، لشبكة ABC News.

تصدع التحالفات: حلفاء ترامب يتراجعون

تظهر مؤشرات التصدع في التحالفات الأمريكية-الأوروبية بوضوح في مواقف حلفاء ترامب المقربين:

  • جورجيا ميلوني تتحدى ترامب: كانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني هي رئيسة الحكومة الأوروبية الوحيدة التي دُعيت إلى تنصيب ترامب الثاني، وقد وصفها ترامب بأنها “جميلة” و “قائدة عظيمة”. لكن ميلوني كانت واضحة في معارضتها للحرب ضد إيران، قائلة: “عندما لا نتفق، يجب أن نقول ذلك. وهذه المرة، نحن لا نتفق”. وقد رافق تصريحاتها رفض روما السماح للقاذفات الأمريكية بالتزود بالوقود في قاعدة عسكرية جنوب إيطاليا. وقد أثار هذا غضب ترامب، الذي قال: “لم أتحدث معها منذ فترة طويلة… لا تريد مساعدتنا في الحرب. اعتقدت أنها تتمتع بالشجاعة. كنت مخطئاً”.
  • لوبان وفاراج يتراجعان: حتى مارين لوبان، زعيمة التجمع الوطني الفرنسي، ونايجل فاراج، السياسي الشعبوي اليميني البريطاني، اللذان كانا من المؤيدين الأوائل لترامب، تراجعا عن دعمهما للحرب على إيران. انتقدت لوبان “أهداف الحرب المتقلبة” لترامب و “العواقب الكارثية” للضربات. فيما أعلن فاراج، بعد دعمه الأولي، أن بريطانيا “ليس لديها بحرية” و “لا يمكنها الانخراط مباشرة في حرب أجنبية أخرى”.
  • حزب البديل من أجل ألمانيا يطالب بانسحاب القوات الأمريكية: رفض قادة حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف، أليس فايدل وتينو شروبالا، قرار الولايات المتحدة بشن الحرب ضد إيران، مؤكدين أن “إعادة زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط ليست في مصلحة ألمانيا ويجب وضع حد لها”. كما أعاد شروبالا التأكيد على طموح الحزب طويل الأمد بسحب جميع القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا.

فشل مشروع “جعل أوروبا عظيمة مرة أخرى”

يؤكد المحللون أن هذا الخلاف المتزايد ليس مفاجئاً بالنظر إلى النهج الأوسع لإدارة ترامب تجاه أوروبا. فالبيت الأبيض، كما تقول فيكس، “يتعامل مع الحلفاء الأوروبيين كدول يجب عليها أن تدفع ثمن نفسها، ولكن تتبع القيادة الأمريكية”. وأضافت أن “الأحزاب اليمينية في أوروبا قومية أيضاً، ولديها تقليد طويل وعميق من العداء لأمريكا”.

وفي بودابست، مُني حليف ترامب القديم، رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، بهزيمة ساحقة في الانتخابات البرلمانية، منهياً 16 عاماً في السلطة. ولم تكن زيارة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في اللحظات الأخيرة لدعم أوربان كافية لقلب الموازين. وقد أشار الخبراء إلى أن فشل دعم ترامب-فانس يمكن تفسيره كإشارة إلى تضاؤل نفوذ البيت الأبيض في القارة، على الأقل مؤقتاً، بينما تستمر حربها مع إيران وتزداد التكاليف على الأوروبيين.

في الختام، وعلى الرغم من صخب ترامب وتأكيداته المشؤومة في ورقة استراتيجية الأمن القومي، يبدو أن حركة “ماجا” (Make America Great Again) لديها نهج غير متماسك ومخصص للتأثير على السياسة الأوروبية. ومع خروج أوربان، وانهيار جسره مع ميلوني، وابتعاد قادة اليمين المتطرف الآخرين عن الحرب في إيران، فإن ترامب “يدمر بلطف، بمفرده، البناء الصغير الذي أقامه في أوروبا”، كما قال غريغوار روس من مركز تشاتام هاوس للأبحاث في المملكة المتحدة. وهذا يؤكد فشل السياسة الأمريكية في فرض هيمنتها على أوروبا، ويكشف عن عزلة واشنطن المتزايدة.

#حرب_أمريكا_على_إيران #فشل_ترامب #أوروبا_ترفض_الحرب #تصدع_التحالفات #السيادة_الأوروبية #مقاومة_الهيمنة_الأمريكية #العداء_لأمريكا #فشل_ماجا #الشرق_الأوسط #السياسة_الخارجية_الأمريكية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *