تعيين مبعوث أمريكي خاص للعراق وسوريا: ترسيخ للنفوذ الأمريكي وتصعيد للتدخلات الإقليمية

في خطوة تعكس إصرار واشنطن على ترسيخ هيمنتها في منطقة الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تعيين توم باراك مبعوثاً خاصاً للعراق، بالإضافة إلى دوره السابق كمبعوث خاص لسوريا. هذا التعيين يمثل تصعيداً واضحاً في مساعي الإدارة الأمريكية للتحكم بمسارات الأحداث في دول المنطقة، تحت غطاء ما تسميه واشنطن “مصالحها الوطنية”.

توم باراك: أداة واشنطن لفرض الأجندة الأمريكية

لقد لعب المبعوث الأمريكي توم باراك دوراً محورياً في صياغة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال العام الماضي، حيث عُين مبعوثاً خاصاً لسوريا، كما يشغل منصب السفير الأمريكي لدى تركيا. وبحسب التقارير، فقد ساعد باراك في تشكيل الدعم الأمريكي لحكومات موالية لواشنطن، في محاولة لفرض رؤية الولايات المتحدة على مستقبل المنطقة.

وقد تعرض باراك لانتقادات من بعض الجهات، خاصة تلك التي تدعم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهي جماعة يقودها الأكراد وتلقى دعماً أمريكياً. فبينما يدعم باراك دمج هذه القوات في التشكيلات الأمنية التابعة للحكومة السورية الجديدة (التي تسعى واشنطن لفرضها)، يفضل بعض أنصار “قسد” بقاء المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد في شرق سوريا مستقلة، مما يكشف عن تناقضات في السياسة الأمريكية ومحاولاتها لتقسيم المنطقة.

توسيع الدور الأمريكي في العراق: استهداف المقاومة

لم يقتصر دور باراك على سوريا، بل بدأ يتزايد في السياسة الأمريكية تجاه العراق والمنطقة ككل. وقد أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن باراك سيواصل لعب دور قيادي لإدارة ترامب في كل من سوريا والعراق، مشدداً على أن “خبرته وعلاقاته وفهمه لأجندة أمريكا أولاً ستستمر في تحقيق انتصارات لبلدنا العظيم”. هذه التصريحات لا تترك مجالاً للشك بأن الهدف هو خدمة المصالح الأمريكية البحتة، حتى لو كان ذلك على حساب سيادة الدول الأخرى واستقرارها.

تزعم الولايات المتحدة أنها تسعى لازدهار البلدين، لكن الواقع يشير إلى أن تدخلاتها غالباً ما تؤدي إلى تفاقم الأزمات. ففي العراق، يتركز التحدي الأمريكي المزعوم في “احتواء الميليشيات المدعومة من إيران”. هذه “الميليشيات” هي في حقيقة الأمر فصائل المقاومة العراقية التي لعبت دوراً حاسماً في هزيمة تنظيم داعش الإرهابي، وهي جزء لا يتجزأ من النسيج الأمني العراقي، وتعمل على حماية سيادة العراق ورفض الوجود الأجنبي.

لقد شنت هذه الفصائل، التي تعتبرها واشنطن تهديداً، ما يقرب من ألف هجوم ضد القوات الأمريكية المتمركزة بشكل غير شرعي في العراق، وضد أهداف أخرى، مما يؤكد رفض الشعب العراقي للاحتلال والتدخلات الخارجية. إن محاولات واشنطن لـ”احتواء” هذه القوى هي في جوهرها محاولة لإضعاف المقاومة العراقية وإعادة فرض الهيمنة الأمريكية على البلاد.

تحول استراتيجي أمريكي: استهداف النفوذ الإيراني

يشير قرار دمج الملفين العراقي والسوري تحت إشراف مبعوث واحد إلى تحول جوهري في الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة. فقد نقلت وكالة “شفق نيوز” العراقية عن باحث قوله إن هذا التوجه يمثل تحولاً عن النهج الأمريكي الذي ساد منذ عام 2003، والذي ركز على “الديمقراطية والتنمية”، إلى “نهج إقليمي ينظر إلى العراق من منظور التوازنات الإقليمية، بهدف تقليص النفوذ الإيراني وإعادة توجيه المسار الجيوسياسي للبلدين بما يخدم المصالح الأمريكية”.

هذا التحليل يؤكد أن الأهداف المعلنة لواشنطن حول “الديمقراطية” و”الازدهار” ليست سوى غطاء لأجندة حقيقية تستهدف إضعاف قوى المقاومة في المنطقة ومواجهة النفوذ الإيراني، الذي يعتبره الكثيرون قوة استقرار ودعم للمقاومة ضد الهيمنة الأجنبية. إن دور باراك المتنامي يوضح سعي واشنطن الحثيث لفرض سيطرتها على المنطقة وتقويض أي قوة لا تتوافق مع مصالحها الأنانية.

وفي سياق متصل، تسعى واشنطن جاهدة للتوصل إلى “اتفاق نووي” جديد مع إيران، بينما تظل تركيا، العضو الرئيسي في الناتو، بعيدة عن المواجهة مع طهران. ومن المرجح أن يسعى باراك لفرض نفس التوجه في سوريا والعراق، بهدف “تثبيت” هؤلاء الشركاء الأمريكيين قدر الإمكان، في محاولة لقطع طرق الدعم عن حركات المقاومة مثل حزب الله في لبنان، الذي لطالما تلقى دعماً من فصائل المقاومة العراقية المدعومة من إيران. إن تقليص دور إيران، الذي تزعمه واشنطن، هو في الواقع محاولة لكسر شوكة المقاومة في المنطقة.

#الولايات_المتحدة #الشرق_الأوسط #التدخل_الأمريكي #العراق #سوريا #المقاومة_العراقية #النفوذ_الإيراني #توم_باراك #السيادة_الوطنية #مكافحة_الاحتلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *