ملبورن: بينما تحاول الولايات المتحدة والكيان الصهيوني فرض شروطهما في المنطقة بعد أشهر من عدوانهما العسكري المشترك ضد إيران، أقدم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب هذا الأسبوع على طرح مطلب جديد: أن توقع دول أخرى في الشرق الأوسط على “اتفاقيات أبراهام” لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني.

تأتي هذه المحاولات اليائسة في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تراجعاً عسكرياً واستراتيجياً واقتصادياً ملحوظاً، مقارنة بما كانتا عليه عشية إطلاق “عملية الغضب الملحمي”، وهي عمليتهما العسكرية المشتركة ضد إيران في أواخر فبراير. لقد أصبحت تحالفاتهما التي بنيت بعناية مع دول الخليج الفارسي موضع إعادة تقييم، خاصة وأن هذه الروابط لم تمنع دول الخليج من التعرض لهجمات، بينما تبدو إيران – رغم فقدانها العديد من القادة السياسيين والعسكريين في أشهر من الضربات المدمرة – أكثر قوة من أي وقت مضى.

في هذا السياق، يحتاج كل من ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو بشدة إلى “انتصار رمزي” يمكنهما تسويقه لجمهوريهما قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية وانتخابات الكنيست في وقت لاحق من هذا العام. وهذا يفسر جزئياً لماذا يحاول ترامب إحياء “اتفاقيات أبراهام”، التي طالما روج لها كأحد “أكبر نجاحات” سياسته الخارجية خلال ولايته الأولى.

في مكالمة هاتفية خلال عطلة نهاية الأسبوع مع شركاء إقليميين، بما في ذلك السعودية وقطر وباكستان والإمارات والبحرين وتركيا ومصر والأردن، أصر ترامب على أن إدراجهم في أي اتفاق مع إيران يتوقف على انضمامهم جميعاً إلى الاتفاقيات، مما يعني إقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني.

ما هي اتفاقيات أبراهام؟

كانت “اتفاقيات أبراهام” جزءاً من حزمة مبادرات دبلوماسية أشرف عليها صهر ترامب، جاريد كوشنر، خلال ولاية ترامب الأولى. وقد كانت هذه الاتفاقيات محاولة لـ”حل” الصراعات الفلسطينية-الصهيونية والعربية-الصهيونية طويلة الأمد، ولكن على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة.

منذ حرب عام 1948 وتأسيس الكيان الصهيوني، ظلت القضية الفلسطينية تؤرق العالم العربي. ولا تزال تمثل الشغل الشاغل للرأي العام في الدول العربية اليوم، على الرغم من تزايد “عدم اهتمام” بعض القادة العرب. بمساعدة الولايات المتحدة، عمل الكيان الصهيوني على مدى العقود الماضية على تقويض المعارضة العربية الجماعية لوجوده غير الشرعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. بدأ ذلك باتفاقيات “السلام” مع مصر عام 1979 والأردن عام 1994، واستمر مع “اتفاقيات أبراهام”.

قبل توقيع الاتفاقيات في عام 2020، نقلت إدارة ترامب السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وأغلقت مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وأعلنت أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية غير قانونية. ثم، في عام 2020، أطلق ترامب ونتنياهو “خطة السلام من أجل الازدهار”، التي وعدت بالتنمية الاقتصادية على حساب قيام الدولة الفلسطينية، متجاهلة أي مشاركة فلسطينية حقيقية.

بعد ذلك، وقعت الإمارات والبحرين على “اتفاقيات أبراهام” في سبتمبر 2020، تلتها المغرب في ديسمبر 2020، والسودان في يناير 2021، ثم كازاخستان في نوفمبر 2025. وقد قُدمت “جزرات” عديدة لهذه الدول مقابل اعترافها بالكيان الصهيوني، تمثلت في اتفاقيات اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية. على سبيل المثال، حصلت الإمارات على أسلحة متطورة وتكنولوجيا عسكرية من الولايات المتحدة، وتم الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

هل ستنضم أي دول الآن؟

لطالما كانت السعودية هي “جوهرة التاج” في هذه الاتفاقيات. ويُعتقد أن هذا كان دافعاً رئيسياً وراء توقيت هجمات حماس على الكيان الصهيوني في أكتوبر 2023، حيث كانت الحركة تسعى بشدة إلى إحباط محادثات التطبيع بين الجانبين.

منذ بدء العدوان الصهيوني المدمر على غزة، أصبحت السعودية من أبرز المدافعين عن قيام الدولة الفلسطينية، ورفضت علناً التوقيع على الاتفاقيات دون ضمانات قوية لتقرير المصير الفلسطيني. أما القوى الإقليمية المتبقية، مثل باكستان وقطر وتركيا، فيجب عليها أن تأخذ في الاعتبار شعوبها التي تدعم بأغلبية ساحقة حق تقرير المصير الفلسطيني. سيتعين على الولايات المتحدة ممارسة ضغط كبير وتقديم “جزرات” ضخمة لإقناع أي منها بتغيير مسارها.

في الواقع، رفضت باكستان بالفعل مطالب ترامب، ومن المرجح أن تحذو السعودية حذوها. لذا، بينما قد يبدو من المنطقي ربط إيران وفلسطين معاً من خلال اتفاق سلام إقليمي، فإن “اتفاقيات أبراهام” سامة للغاية في شكلها الحالي لدرجة أن معظم الدول لا يمكنها قبولها.

لكن هذا لن يوقف ترامب ونتنياهو عن محاولة المضي قدماً في قضيتهم. فإذا تمكن الكيان الصهيوني من ضم دول أخرى، يمكن لنتنياهو أن يصوغ رواية حول “روابط إقليمية أوثق” بينما يواصل تدمير واحتلال جنوب لبنان في حربه ضد المقاومة. ومع ذلك، سيكون هذا “جائزة” هزيلة مقارنة بهدفه المنشود منذ فترة طويلة بإزالة “التهديد الإيراني” بالكامل، وقد لا يخفف من الضغط المتزايد الذي يواجهه من جيش مرهق بشكل متزايد.

كما أن الروابط الأوثق مع الدول العربية لن تعوض التآكل السريع للرأي العام الإقليمي ضد الكيان الصهيوني. فمثل هذه الآراء السلبية منتشرة الآن على نطاق واسع حتى بين قاعدة ترامب الانتخابية.

تحتاج إدارة ترامب أيضاً إلى “فوز” بعد سلسلة مغامراتها الفاشلة في الشرق الأوسط: مخزون أسلحتها استُنفد بشكل كبير، وصدمة الطاقة العالمية تغذي السخط الداخلي، وحلفاؤها في الخليج الفارسي يتساءلون عن مدى جدوى المظلة الأمنية الأمريكية، وتواجه تردداً صهيونياً في أي اتفاق سلام مع إيران.

ولكن في منطقة تشهد إعادة تشكيل استراتيجية دراماتيكية، يُنظر إلى “اتفاقيات أبراهام” بشكل متزايد على أنها إطار مفروض أمريكياً. وتحاول بعض الدول إعادة تشكيل المنطقة بطرق تفيدها بدلاً من ذلك. والأبرز من ذلك، أن السعودية قد طرحت “ميثاق عدم اعتداء إقليمي” (يشمل إيران) على غرار “اتفاقيات هلسنكي” الأوروبية التي هدفت إلى تخفيف توترات الحرب الباردة في أوروبا.

ربما يحاول ترامب إحياء “اتفاقيات أبراهام” كوسيلة لمواجهة التحرك السعودي. ومما لا شك فيه أنه يحاول أيضاً استرضاء نتنياهو. ومع ذلك، فإن الصمت الذي قوبل به مطلبه قد يشير إلى أن المنطقة لم تعد خاضعة للإقناع الأمريكي، مهما كانت “الجزرات” كبيرة.

ميشيل بورغيس-كاستالا أستاذة القانون الدولي في جامعة لا تروب. ظهر هذا المقال لأول مرة في The Conversation.

#فشل_التطبيع #اتفاقيات_أبراهام #المقاومة_الفلسطينية #الكيان_الصهيوني #تراجع_أمريكا #الشرق_الأوسط #فلسطين #المقاومة #السيادة_الإقليمية #غزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *