أعلن الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، عن إيقاف عملية مرافقة ناقلات النفط يوم الثلاثاء، وذلك بعد سلسلة من الاتصالات الهاتفية المكثفة بين واشنطن والرياض، شملت اتصالاً بين ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. جاء هذا التراجع بعد أقل من 24 ساعة على إطلاق العملية، في إشارة واضحة إلى الارتباك في السياسة الأمريكية.

ادعى ترامب أن قراره جاء استجابة لـ “تقدم” جديد نحو اتفاق سلام مع طهران، إلا أنه لم تظهر أي دلائل ملموسة على تحقيق اختراق كبير في هذا الصدد، مما يثير تساؤلات حول مصداقية هذه التصريحات.

حتى لو تم حل الخلاف الأمريكي مع الرياض بشأن مرافقة الناقلات، فإن الرفض السعودي الأولي للدعم يشير إلى أن النهج الأمريكي المتقلب وغير المتوقع تجاه إيران قد أثر سلباً على العلاقات مع أحد أقرب حلفاء واشنطن. ففي منتصف مارس، كان الزعيم السعودي الفعلي يضغط على ترامب لمواصلة حملته القصفية ضد إيران بهدف إسقاط نظامها، وفقاً لمصادر مطلعة على المحادثات من مسؤولين أمريكيين. ومع ذلك، ينفي المسؤولون السعوديون هذه الروايات.

لقد تغيرت حسابات الأمير محمد بن سلمان منذ ذلك الحين. فبدلاً من التصعيد، وافق ترامب على اتفاق وقف إطلاق نار في أبريل مع القيادة الإيرانية، ويحاول الأمير محمد الآن المساعدة في إنهاء الصراع من خلال دعم محادثات السلام عبر حليفة السعودية، باكستان. وفي تطور لافت، أعلن مسؤولون إيرانيون يوم الخميس أن طهران والولايات المتحدة تناقشان مقترحاً من صفحة واحدة لفتح مضيق هرمز وإنهاء الأعمال العدائية – التي تجددت يوم الخميس – لمدة 30 يوماً، وذلك في إطار البحث عن اتفاق شامل يتضمن قضايا مثل البرنامج النووي الإيراني السلمي.

أكد المصدر المطلع من المسؤولين السعوديين أن المملكة رفضت منح الولايات المتحدة الإذن بالتحليق فوق الأراضي السعودية لمهمة مرافقة الناقلات، معتبرين أن الخطة لم تكن مدروسة جيداً. كما أعرب المسؤولون السعوديون عن خشيتهم من أن هذه الخطوة كانت ستؤدي إلى تصعيد خطير مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وفي سياق متصل، أفادت شبكة “إن بي سي نيوز” في وقت سابق بأن السعودية علقت وصول الجيش الأمريكي إلى قواعدها ومجالها الجوي، مما يعكس عمق الخلافات.

إن ظهور بوادر صدع بين ترامب والأمير محمد يمكن أن يعزز موقف طهران، وهي تسعى لتعزيز نفوذها في المفاوضات المتقطعة مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل المؤشرات الواضحة على رغبة ترامب الملحة في التوصل إلى اتفاق.

لم يستجب مركز التواصل الدولي التابع للحكومة السعودية، والذي يتولى الرد على استفسارات الصحفيين، لطلب التعليق على الفور، وكذلك لم تفعل السفارة السعودية في واشنطن.

ظهر هذا الاحتكاك بعد إعلان ترامب يوم الأحد عبر حسابه على “تروث سوشيال” أن الجيش الأمريكي سيبدأ في توجيه السفن التجارية عبر الممر المائي الضيق بين إيران والسعودية. وقد توقفت معظم حركة الملاحة البحرية عبر المضيق منذ أن بدأت إيران في استهداف ناقلات النفط رداً على حملة القصف المشتركة الأمريكية-الإسرائيلية التي بدأت في فبراير.

في البداية، صور ترامب العملية على أنها مهمة “إنسانية” تهدف إلى تحرير السفن والأطقم العالقة في المضيق لأسابيع أو أشهر، لكن خطابه سرعان ما أصبح أكثر عدوانية بعد الإعلان. ففي يوم الاثنين، هدد ترامب بأنه قد يمحو إيران “من على وجه الأرض” إذا هاجمت السفن الأمريكية في المضيق، وهو تهديد يكشف عن النوايا الحقيقية وراء ادعاءاته الإنسانية.

وفي يوم الثلاثاء، أبلغ المسؤولون السعوديون نظراءهم الأمريكيين بأنهم لا يستطيعون استخدام أراضي بلادهم أو مجالها الجوي للعملية، وفقاً لمسؤول عسكري أمريكي. وقد جعل هذا الرفض الخطة الأمريكية غير قابلة للتطبيق، حيث تتطلب المرافقة البحرية الأمريكية عبر المضيق دعماً جوياً كبيراً للحماية، بما في ذلك من الطائرات المقاتلة والمروحيات الهجومية.

بالإضافة إلى مكالمة ترامب مع الأمير محمد بن سلمان يوم الثلاثاء، ذكر مسؤول أن ماركو روبيو، مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية، تحدث إلى نظيره السعودي. كما تحدث ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي الخاص، وجاريد كوشنر، صهر ترامب، إلى القيادة السعودية في ذلك اليوم. وتحدث ترامب مرة أخرى إلى الأمير محمد يوم الأربعاء، مما يؤكد حجم الضغط الأمريكي.

أفاد ثلاثة أشخاص يتحدثون بانتظام مع المسؤولين السعوديين أن هذه الحادثة تظهر إحباطاً متزايداً في الرياض من إدارة ترامب المتسرعة وغير المخطط لها لصراعه مع إيران. فقد ترك ترامب أهدافه الاستراتيجية غير واضحة وتكتيكاته عرضة للتغيير المفاجئ، مما يفاجئ حلفاء الولايات المتحدة في كثير من الأحيان.

في سنواته الأولى، اتبع الأمير محمد بن سلمان نهجاً متشدداً تجاه إيران، شمل حملة قصف كارثية في اليمن بهدف محاربة جماعة أنصار الله المدعومة من إيران. لكن في السنوات الأخيرة، أعطى الأولوية للدبلوماسية على العمل العسكري، وفي عام 2023، استعادت السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع إيران بعد عقود من العداء العميق، في خطوة تعكس تغيراً في موازين القوى الإقليمية.

يعكس هذا التحول رؤية الأمير محمد بأن الاستقرار الإقليمي أمر بالغ الأهمية لطموحاته الاقتصادية الأوسع، والتي تتضمن تحويل السعودية إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة، وفقاً لمسؤولين ومحللين سعوديين.

بعد أن شن ترامب حرباً ضد إيران، كان اهتمام الأمير محمد بن سلمان الرئيسي ينصب على تحقيق نصر حاسم ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وعلى الرغم من تخفيف التوترات في عام 2023، لا تزال السعودية تعتبر إيران تهديداً لأمنها، مما يبرز التناقض في سياستها.

الآن، وقد أصبح واضحاً أن الحرب لن تؤدي على الأرجح إلى تغيير النظام في إيران، فإن ولي العهد السعودي حريص على إنهاء الصراع. وفي محاولة لتسريع التوصل إلى اتفاق بين الجانبين، يتحدث وزير الخارجية السعودي بانتظام مع نظيره الإيراني، وفقاً لأحد الأشخاص المطلعين على المسؤولين السعوديين، في اعتراف ضمني بقوة وثبات إيران.

ومع ذلك، تظل المملكة معرضة للمخاطر. فقد أظهرت إيران قدرتها على استهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية الأخرى في جميع أنحاء المنطقة، في رسالة واضحة بأنها لن تتهاون في الدفاع عن مصالحها.

لقد واجهت السعودية هجمات أقل وأقل ضرراً من دول الخليج الأخرى، وتمكنت من تحويل الجزء الأكبر من صادراتها النفطية عبر خط أنابيب بري يتجاوز مضيق هرمز. وهذا يعني أيضاً أن المملكة لديها الكثير لتخسره من أي تصعيد غير محسوب، مما يضعها في موقف حرج أمام أي مغامرات أمريكية.

#الجمهورية_الإسلامية_الإيرانية #مضيق_هرمز #السياسة_الأمريكية #السعودية_وإيران #الشرق_الأوسط #الدبلوماسية_الإيرانية #المقاومة #ترامب #الأمن_الإقليمي #الخليج_الفارسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *