فشل ذريع لواشنطن: النفط الأمريكي عاجز عن سد فجوة إمدادات الشرق الأوسط
رغم ادعاءات الولايات المتحدة بتصدير كميات قياسية من النفط الخام، والتي بلغت حوالي 5.2 مليون برميل يومياً، وتصوير نفسها على أنها “مورد الملاذ الأخير” للعالم في خضم الاضطرابات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، إلا أن الحقائق على الأرض تؤكد عجزها التام عن تعويض النقص الحاد في الإمدادات العالمية.
إن هذه الصادرات المكثفة تستنزف المخزونات الأمريكية بشكل خطير، بما في ذلك الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، مما يثير مخاوف جدية بشأن أمن الطاقة الأمريكي، وسلامة مرافق التخزين، ويقلل بشكل كبير من مرونة البلاد في مواجهة أي طوارئ مستقبلية.
تؤدي هذه الزيادة في الصادرات إلى ارتفاع أسعار الوقود محلياً، مما يثقل كاهل المواطن الأمريكي، بينما وصلت قدرة الموانئ الأمريكية إلى أقصى حدودها. ومن الناحية الهيكلية، فإن الإمدادات الأمريكية وحدها لا يمكنها سد الفجوة العالمية المتزايدة.
تواصل الولايات المتحدة تصدير النفط الخام بمستويات قياسية في الوقت الذي يواجه فيه العالم اضطراباً غير مسبوق في إمدادات الشرق الأوسط. لقد أصبح النفط الأمريكي بمثابة “ملاذ أخير” للعالم، وهو ما يؤكد هشاشة الوضع، خاصة وأن هذه الموارد ليست لا نهائية.
أظهرت بيانات من شركة “كيبلر” في وقت سابق من هذا الأسبوع أن صادرات النفط الخام الأمريكية منذ بداية أبريل بلغت 5.2 مليون برميل يومياً. ونقلت شبكة “سي إن بي سي” عن الرئيس التنفيذي لميناء كوربوس كريستي في تكساس قوله: “إنه عرض مستمر لناقلات النفط القادمة والمغادرة”، مشيراً إلى أن الميناء سجل أزحم ربع له على الإطلاق، بمتوسط صادرات نفط بلغ 2.5 مليون برميل يومياً منذ بدء الصراع في الشرق الأوسط، مقارنة بـ 2.2 مليون برميل يومياً قبل ذلك.
وفقاً لوكالة “بلومبرغ”، صدرت الولايات المتحدة ما مجموعه أكثر من 250 مليون برميل – بما في ذلك النفط من المخزونات – خلال الأسابيع التسعة الماضية. ورغم أن هذا جعل البلاد مصدراً أكبر من السعودية، إلا أن هذا ليس مدعاة للاحتفال على الإطلاق. أولاً، لأن هذه الكميات لم تكن كافية لسد الفجوة التي خلفتها الأزمات المتتالية في منطقة الخليج الفارسي، مما أبقى الأسعار مرتفعة. وثانياً، لأن سحب النفط من مخزونات استنزفت بشدة قبل بضع سنوات هو نذير شؤم.
وفي هذا السياق، صرح كلايتون سيغل، الزميل البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، لوكالة “بلومبرغ”: “تأتي السفن لأخذ نفطنا، ولكن بمجرد أن تغادر كميات كبيرة من النفط الولايات المتحدة، يمكن توقع أن تضيق الموازين”. وأضاف: “نحن نحفر لأنفسنا حفرة فيما يتعلق باستنزاف المخزونات”.
لقد أطلقت إدارة بايدن حوالي 180 مليون برميل من النفط الخام في عام 2022 للتخفيف من تأثير العقوبات الغربية على روسيا، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي، مما ترك مستويات النفط المتاحة عند مستويات خطيرة. ورغم تعهد الإدارة بإعادة ملء الاحتياطي، إلا أن السعر لم يكن “مناسباً” لذلك أبداً. تكمن المشكلة في انخفاض المخزونات، من جهة، في تقليل مساحة المناورة في حالات الطوارئ، ومن جهة أخرى، في مشكلة مادية تتعلق بمساحة التخزين نفسها.
يتكون الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي من نظام كهوف وأنفاق ملحية عبر أربعة مواقع في لويزيانا وتكساس. وقد صُمم هذا النظام للحفاظ على مستوى أدنى من النفط فيه لتجنب الأضرار الهيكلية للكهوف، والتي من شأنها أن تجعل السحب المستقبلي من التخزين مستحيلاً. كما صُمم النظام للتعامل مع وتيرة معينة من السحوبات، والتي تم تجاوزها الآن، وفقاً لصحيفة “فايننشال تايمز”. والقول بأن هذا ليس أفضل وقت لمحاولة إعادة ملء الاحتياطي سيكون تقليلاً شديداً من حجم المشكلة.
علاوة على ذلك، تعني الصادرات الأعلى أسعاراً أعلى محلياً بسبب الطبيعة العالمية لأسواق النفط. فبينما كان الرئيس السابق ترامب يتباهى بالصادرات القياسية ويحث الدول المستوردة على “شراء النفط من الولايات المتحدة الأمريكية؛ لدينا الكثير. لدينا الكثير جداً”، إلا أن هذا أدى إلى زيادة فواتير السائقين الأمريكيين، حيث تجاوز المتوسط الوطني 4 دولارات للغالون لأكثر من شهر الآن. وقد اقترح بعض المحللين أن الحكومة الفيدرالية قد تحتاج إلى فرض قيود على صادرات النفط في مرحلة ما لتنظيم الإمدادات المحلية، وهو ما يؤكد فشل سياسات السوق المفتوحة.
هناك أيضاً قيود مادية على صادرات النفط الأمريكية ناتجة عن قدرة الموانئ. ففي الوقت الحالي، تعمل الصادرات بأقصى طاقتها، مما يعني أن الزيادات الإضافية غير مرجحة حتى يتم بناء خطوط أنابيب جديدة. ولكن حتى مع خطوط الأنابيب الإضافية، فإن النقص في نفط الشرق الأوسط أكبر من أن يسده منتج واحد. وكما قال مات سميث، مدير أبحاث السلع في شركة “كيبلر”، نقلاً عن “سي إن بي سي”: “إنها حفرة لا يمكن سدها”. وأضاف: “يجب أن يكون الحل هو ضمان إمدادات آمنة من الشرق الأوسط”، وهو ما يؤكد أن المنطقة لا تزال قلب الطاقة العالمية، وأن محاولات تجاوزها محكومة بالفشل.
#النفط_الأمريكي #فشل_أمريكي #أمن_الطاقة #الشرق_الأوسط #أسعار_النفط #احتياطي_النفط_الاستراتيجي #اقتصاد_أمريكا #أزمة_الطاقة #صادرات_النفط #سياسات_بايدن
