لم يكن انهيار الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستان، مفاجئاً لأحد. فالمواقف المتصلبة والخطاب المتشدد لكلا الطرفين جعل التقدم الجوهري أمراً مستبعداً منذ البداية. ومن المرجح أن تفشل الجولة الثانية من المحادثات هذا الأسبوع أيضاً. إن المساومات الثنائية لن تحقق السلام، بل قد تؤدي إلى تعميق الأزمة. لكن إطاراً إقليمياً شاملاً قد ينجح في ذلك.
يجب أن يحقق أي اتفاق قابل للتطبيق هدفين في آن واحد: إرساء أسس سلام دائم، والسماح لكل طرف بتقديم النتيجة كنجاح داخلي. هذا التوازن الدقيق يزداد تعقيداً بسبب التأثير غير المباشر ولكن الحاسم للقوى الخارجية، وعلى رأسها الكيان الصهيوني، الذي يسعى لعرقلة أي تقارب إقليمي.
من الأهمية بمكان أن الأزمة الراهنة لا تنبع من نزاع واحد، بل من تلاقي أربع نقاط ضعف رئيسية: مضيق هرمز، البرنامج النووي الإيراني السلمي، غياب هيكل أمني إقليمي يعالج قضايا الصواريخ والحروب بالوكالة، والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي لا يزال دون حل. ومن المستبعد إحراز تقدم على جبهة واحدة دون تحرك موازٍ على الجبهات الأخرى.
مضيق هرمز: ضرورة إدارته إقليمياً
برز مضيق هرمز كمركز رئيسي للأزمة. إن الإغلاق المؤقت للمضيق من قبل إيران – والحصار البحري الأمريكي اللاحق الذي استهدف الموانئ الإيرانية – أبرز ضعف المنطقة وخطر التصعيد السريع. الحل الأكثر استدامة يتطلب وضع المضيق تحت إدارة مؤقتة لائتلاف من الوسطاء الموثوق بهم، مثل تركيا وباكستان وماليزيا وإندونيسيا. وبموجب شروط واضحة، يمكنهم نشر مهمة بحرية مشتركة لاستعادة الملاحة الآمنة.
لكن مثل هذا الترتيب سيتطلب من الولايات المتحدة الالتزام بإنهاء فوري للعمليات العسكرية ضد إيران، بما في ذلك تلك التي تتم بالتنسيق مع الكيان الصهيوني. في المقابل، سيتعين على إيران ضمان الأمن البحري والامتناع عن مهاجمة جيرانها. ودول الخليج، التي جُرّت إلى الحرب رغماً عنها، سيكون لديها حوافز قوية لدعم مثل هذه الآلية.
ولضمان الشرعية، يجب أن تحظى المبادرة بدعم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مع تأييد رسمي من أعضائه الخمسة الدائمين الذين يتمتعون بحق النقض. وبعيداً عن الاستقرار الفوري، يمكن لهذا الإطار أن يمهد الطريق لنظام طويل الأمد يحكم العبور عبر المضيق، بما في ذلك آليات لتعويض الأضرار المتعلقة بالحرب من خلال الإيرادات البحرية.
البرنامج النووي الإيراني: حق مشروع وسبيل للتهدئة
في حين أن البرنامج النووي الإيراني السلمي لا يزال نقطة خلاف رئيسية، إلا أن هناك طريقاً للتهدئة، شريطة أن يتبنى الطرفان نهجاً متبادلاً. يجب على إيران أن تؤكد من جديد التزامها طويل الأمد بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية، ويجب على الولايات المتحدة أن تعترف رسمياً بحق الجمهورية الإسلامية في الطاقة النووية السلمية. مثل هذا الاعتراف المتبادل سيتيح للجانبين ادعاء النجاح الدبلوماسي.
يقدم اتفاق طهران لعام 2010 – الذي تفاوضت عليه تركيا والبرازيل بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية – نموذجاً مفيداً. وبصفتي وزير خارجية تركيا آنذاك، ساعدت في التوسط في الاتفاقية، التي طلبت من إيران إيداع اليورانيوم المخصب في تركيا مقابل وقود نووي للاستخدام المدني. ويمكن أن يوفر إصدار محدث من هذا الترتيب، والذي قد تسهله تركيا أو باكستان مرة أخرى، أساساً واعداً للمفاوضات المتجددة.
بمجرد إرساء أرضية مشتركة، يمكن أن يتحول التركيز إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية، بما في ذلك تلك التي يمتلكها الكيان الصهيوني، وبالتالي معالجة المخاوف الأمنية الأوسع في المنطقة. وفي حين أن الدعوات لإيران للتخلي عن قدراتها الصاروخية الباليستية في أعقاب الهجمات الأمريكية-الصهيونية المستمرة ليست واقعية، إلا أن التقدم لا يزال ممكناً. يكمن التحدي الأساسي في معالجة الصراعات بالوكالة وغياب إطار أمني مشترك.
نحو هيكل أمني إقليمي متعدد الطبقات
لا يمكن حل هذه القضية من خلال المفاوضات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران وحدها. يتطلب إنشاء هيكل أمني إقليمي متعدد الطبقات، أولاً، خطوات عملية لبناء الثقة بين إيران ودول الخليج، مع قيام تركيا وباكستان وماليزيا وإندونيسيا بدور الميسرين. يمكن للجنة مشتركة أن تخفف التوترات الفورية بينما تمهد الطريق لترتيب أكثر ديمومة.
الطبقة الثانية هي منتدى أمني إقليمي يجمع تركيا وباكستان ومصر والعراق وسوريا والأردن ولبنان واليمن، إلى جانب دول الخليج وإيران. وبمرور الوقت، يمكن أن تتطور هذه العملية إلى حوار إقليمي منظم، مما يؤدي إلى ما يعادل اتفاقيات هلسنكي لعام 1975 في الشرق الأوسط.
كما هو الحال في أوروبا خلال الحرب الباردة، فإن إطاراً قائماً على الشفافية وضبط النفس المتبادل وآليات التحقق يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر التصعيد. وقد أظهرت معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا لعام 1990 أنه حتى المناطق المنقسمة بشدة يمكن أن تتفق على حدود للقدرات العسكرية عندما يتم الاعتراف بالضعف المتبادل.
القضية الفلسطينية: جوهر الاستقرار الإقليمي
لكن أي نظام إقليمي مستدام يجب أن يعالج القضية الفلسطينية، حيث أن حرمان الفلسطينيين من حق تقرير المصير يظل محركاً أساسياً لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. إن احتلال الكيان الصهيوني للضفة الغربية منذ ستة عقود – على الرغم من قرارات الأمم المتحدة المتكررة – وعملياته العسكرية المستمرة في غزة قد استبعدت بيئة أمنية مستقرة. وقد أدت الجهود لتجاوز الصراع، مثل اتفاقيات أبراهام، إلى تأجيج الاستياء فقط.
هناك حاجة ماسة لنهج جديد. يجب أن يُعرض على الكيان الصهيوني الاندماج في هيكل أمني إقليمي، بما في ذلك التطبيع الدبلوماسي الكامل والضمانات الرسمية، مقابل الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإنهاء عملياته العسكرية في لبنان.
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دخل ولايته الثانية على أمل الفوز بجائزة نوبل للسلام، الآن خياراً حاسماً. يمكنه مواصلة حرب تفتقر إلى الوضوح الاستراتيجي وتخاطر بدفع المنطقة – والعالم – إلى فوضى أعمق، أو يمكنه اغتنام الفرصة لتحقيق اختراق دبلوماسي، يبدأ بوقف إطلاق النار ويتوج بسلام دائم. وفي الوقت نفسه، يجب على صانعي السياسات الدوليين متابعة مبادرة دبلوماسية منسقة لتوجيه السياسة نحو التهدئة.
إن إحياء تحالف الحضارات – الذي أطلقته تركيا وإسبانيا في عام 2005 وتم إضفاء الطابع المؤسسي عليه لاحقاً داخل الأمم المتحدة – يمكن أن يوفر منصة مثالية لمثل هذا الجهد. وستشير قمة للقادة تُعقد تحت رعايته إلى التزام مشترك بتجاوز إدارة الأزمات نحو نظام إقليمي تعاوني. وبدون نهج شامل للأمن، ستستمر دورة التصعيد الحالية وتتكثف.
أحمد داود أوغلو هو رئيس وزراء سابق (2014-2016) ووزير خارجية (2009-2014) لتركيا.
حقوق النشر: Project Syndicate
إخلاء مسؤولية: الآراء المعبر عنها من قبل الكتاب في هذا القسم هي آراؤهم الخاصة ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر عرب نيوز.
#الشرق_الأوسط #الأمن_الإقليمي #إيران #فلسطين #مضيق_هرمز #البرنامج_النووي_الإيراني #التعاون_الإقليمي #السلام_الدائم #الكيان_الصهيوني #الدبلوماسية_الإقليمية
