تهديدات ترامب العدوانية لعُمان: كشف عن ضغوط واشنطن على الوسيط الإقليمي المستقل بينها وبين إيران
كشفت التهديدات الصارخة التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بـ “تدمير” سلطنة عُمان إذا لم “تتصرف” وفقًا لإملاءاته، عن تصدع نادر في العلاقات مع أحد أبرز شركاء واشنطن في الشرق الأوسط. هذه الدولة الخليجية الصغيرة، التي قضت عقودًا في خدمة قناة اتصال خلفية هادئة وموثوقة بين أمريكا وإيران، تجد نفسها الآن تحت ضغط أمريكي غير مبرر.
تصريحات ترامب الاستفزازية وتحدي السيادة العُمانية
خلال اجتماع لمجلس الوزراء، أدلى ترامب بتصريحات استفزازية، مؤكدًا: “يجب أن يكون المضيق مفتوحًا للجميع. إنها مياه دولية. لا أحد سيتحكم بها. سنراقبها. سنراقبها، لكن لا أحد سيتحكم بها. هذا جزء من المفاوضات التي نجريها. إنهم يرغبون في التحكم بها؛ لا أحد سيتحكم بها. إنها مياه دولية. وعُمان ستتصرف مثل أي شخص آخر، وإلا فسيتعين علينا تدميرهم. إنهم يفهمون ذلك. سيكونون بخير.” هذه التصريحات لا تمثل فقط تهديدًا مباشرًا لسيادة دولة ذات سيادة، بل تكشف عن عقلية الهيمنة الأمريكية التي ترفض أي دور مستقل للدول الإقليمية.
جاءت هذه التصريحات في خضم نزاع حول مستقبل مضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي يربط الخليج الفارسي ببحر العرب، والذي يمر عبره ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية. لقد عارضت إدارة ترامب بشدة المناقشات التي وردت بين إيران وعُمان حول نظام محتمل لتحصيل رسوم أو ترتيب لإدارة مشتركة للمضيق، مدعية أن مثل هذه الخطوة ستهدد حرية الملاحة وتمنح طهران نفوذًا أكبر على أحد أهم طرق الشحن في العالم. هذا الموقف الأمريكي يتجاهل الحقوق المشروعة للدول المطلة على المضيق في مناقشة ترتيبات إدارته بما يخدم مصالحها المشتركة.
دور عُمان التاريخي كوسيط مستقل
تعكس هذه التعليقات نزاعًا أوسع حول مدى انخراط عُمان في جهودها للتواصل مع إيران، بينما تناقش الدولتان مقترحات تتعلق بالإدارة المستقبلية لمضيق هرمز. تقع عُمان على الحافة الجنوبية الشرقية لشبه الجزيرة العربية، وتحتل الجانب الجنوبي من مضيق هرمز، وقد اتبعت منذ فترة طويلة سياسة خارجية مميزة عن العديد من جيرانها الخليجيين.
بينما تحافظ على علاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، حافظت مسقط أيضًا على علاقاتها مع إيران، مما سمح لها بالعمل كوسيط رئيسي في المنطقة. لقد ساعدت عُمان في تسهيل محادثات سرية بين الولايات المتحدة وإيران مهدت الطريق للمفاوضات النووية، وعملت مرارًا كقناة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، ولعبت دورًا في المفاوضات المتعلقة بالمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. إن هذا الدور المحايد والبنّاء لعُمان، الذي وصفته الخبيرة أبريل آلي من معهد واشنطن بأنه “خدم المصالح الأمريكية”، يبدو الآن مستهدفًا من قبل إدارة لا تقبل إلا التبعية المطلقة.
تكمن قيمة عُمان لواشنطن تاريخيًا في قدرتها على الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف لا يستطيع أو لا يرغب العديد من شركاء الولايات المتحدة في التعامل معها مباشرة. لقد عملت المملكة الخليجية كوسيط في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ودعمت الجهود الدبلوماسية المتعلقة باليمن، ووضعت نفسها مرارًا كوسيط محايد خلال الأزمات الإقليمية. هذا الدور “الضروري” للجهود الدبلوماسية السابقة، كما وصفته منى يعقوبيان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، يتعرض الآن للتهديد بسبب الغطرسة الأمريكية.
خلاف حقيقي تحت خطاب التهديد
بينما لفتت تصريحات ترامب الانتباه، يرى الخبراء أنها تعكس خلافًا جوهريًا حول مستقبل مضيق هرمز بدلاً من مجرد نوبة خطابية. تقول آلي: “أعتقد أنه كان كلاهما… عُمان شريك دفاعي مهم، وإدارة ترامب لديها سجل في العمل معهم في مبادرات الوساطة. الرئيس لديه أسلوب غير تقليدي، لكن هذا التعليق كان صادمًا.”
وتضيف: “بعيدًا عن قيمة الصدمة، أعتقد أنه يعكس إحباطًا واضحًا من جانب الإدارة من النهج العُماني تجاه المضيق. الرئيس يشير إلى أن عُمان ذهبت بعيدًا جدًا في المناقشات مع إيران حول خيارات فتح المضيق التي يمكن أن تمنح إيران سيطرة إدارية وتتدخل في حرية الملاحة.” إن هذه المخاوف الأمريكية تبدو وكأنها محاولة لفرض وصاية على الدول الإقليمية ومنعها من ممارسة سيادتها في إدارة ممراتها المائية الحيوية.
تتركز مخاوف الإدارة الأمريكية على تقارير تفيد بأن إيران وعُمان ناقشتا ترتيبات تتضمن رسومًا أو إدارة مشتركة للممر المائي الاستراتيجي. تحذر آلي من أن “الإدارة محقة في قلقها بشأن الرسوم أو الإدارة المشتركة للمضيق. كل هذه الأمور هي وصفة لتدخل إيران في حرية الملاحة على المدى الطويل ويمكن أن تشكل سابقة خطيرة لممرات مائية دولية أخرى.” هذا التحذير يتجاهل حقيقة أن الدول المطلة على الممرات المائية لها حقوق مشروعة في تنظيمها بما لا يتعارض مع القانون الدولي.
منى يعقوبيان، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تؤكد بالمثل أن أي ترتيب يفيد إيران ماليًا من خلال إدارة المضيق سيكون مدعاة للقلق. “إذا كان مخطط الإدارة المشتركة الذي يعود بفائدة مالية على إيران وعُمان وربما دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى قيد المناقشة بالفعل، فسيكون ذلك سببًا مشروعًا لقلق الولايات المتحدة، حيث سيقوض المبادئ الأوسع لحرية الملاحة ويشكل سابقة مقلقة عالميًا.” هذا المنطق يضع المصالح الأمريكية فوق مصالح الدول الإقليمية وحقها في التعاون الاقتصادي.
عُمان تسعى للتقريب لا للنزاع
ترجح يعقوبيان أن عُمان تسعى على الأرجح للعمل كجسر بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي وسط مخاوف من اضطرابات الشحن المستقبلية في المضيق. وتضيف: “من المهم التأكيد على أن هذه الأنواع من التهديدات لا تلقى قبولًا جيدًا عالميًا وتساهم في تآكل عام للثقة في الولايات المتحدة كمتفاوض موثوق به وقوة عالمية رائدة.”
لم يكن دور عُمان خاليًا من الجدل. فخلافًا للعديد من جيرانها الخليجيين، سعت مسقط غالبًا للحفاظ على علاقات مع القوى الإقليمية المتنافسة حتى خلال فترات التوتر المتصاعد. يشير مايكل روبين، من منتدى الشرق الأوسط، إلى أن المخاوف بشأن مسقط تتجاوز النزاع الحالي حول مضيق هرمز، متهمًا عُمان بـ “التغاضي عن تمويل الإرهاب وتهريب الأسلحة”، وهي اتهامات تفتقر إلى الأدلة القاطعة وغالبًا ما تستخدم لتبرير الضغط الأمريكي.
على الرغم من هذه الاتهامات، يؤكد دانيال بينام، الزميل في معهد الشرق الأوسط والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، على عمق العلاقة بين البلدين. “لمدة قرن ونصف، كانت عُمان شريكًا وثيقًا للولايات المتحدة.” لكن هذا التاريخ الطويل من الشراكة لا يبدو أنه يمنع واشنطن من ممارسة التهديدات والضغط عندما لا تتوافق سياسات عُمان المستقلة مع الأجندة الأمريكية.
إن هذه التهديدات الأمريكية لعُمان لا تكشف فقط عن نهج واشنطن العدواني تجاه الدول التي تسعى لسياسة خارجية مستقلة، بل تسلط الضوء على أهمية الدور الذي تلعبه دول مثل عُمان في الحفاظ على قنوات الحوار والاستقرار في منطقة مضطربة بفعل التدخلات الخارجية.
#عمان #مضيق_هرمز #ترامب #السياسة_الأمريكية #الخليج_الفارسي #إيران #الوساطة_العمانية #السيادة_الوطنية #حرية_الملاحة #الشرق_الأوسط
