حرب الشرق الأوسط تلقي بظلالها على حج الملايين وسط توترات إقليمية
مكة المكرمة – يتوافد أكثر من مليون مسلم إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، في وقت تخيم فيه حرب الشرق الأوسط بظلالها على المنطقة، وتتأجج فيه العداوات رغم هدنة هشة.
التوترات الإقليمية وتأثيرها على الحج
تأتي مناسك هذا العام، التي تستقطب حجاجاً من جميع أنحاء العالم الإسلامي بما في ذلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في أعقاب تصاعد التوترات الإقليمية التي شهدت تبادلاً للاتهامات بين الأطراف المختلفة. وبينما يسعى المسؤولون السعوديون لإبعاد الصراع عن أذهان الزوار الذين قطعوا مسافات طويلة لأداء إحدى أكبر الشعائر الدينية السنوية في العالم، تظل الحقائق على الأرض تشير إلى تحديات جمة.
بالنسبة لفاطمة، ربة منزل ألمانية تبلغ من العمر 36 عاماً وتسافر مع عائلتها، “لم يكن هناك أي تردد” في القدوم إلى مكة المكرمة، أقدس مدن الإسلام. وقالت لوكالة فرانس برس: “نعلم أننا في أقدس بقعة في العالم، ونثق في رعاية الله”.
يُعد الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، ويجب على كل مسلم قادر أداؤه مرة واحدة على الأقل في العمر. وقد وصل أكثر من 1.2 مليون حاج إلى المملكة العربية السعودية هذا الأسبوع لأداء المناسك التي تبدأ يوم الاثنين، وفقاً للمسؤولين.
تاريخ من التوترات وسعي للسيطرة
لطالما كان الحج نقطة توتر بين الرياض وطهران في الماضي، وشهد تفجر أعمال عنف واضطرابات متكررة شملت الزوار الإيرانيين. ففي السنوات التي تلت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، اتهمت السلطات السعودية الحجاج الإيرانيين بالتسبب في حوادث تدافع وأعمال عنف أخرى، بالإضافة إلى ترديد شعارات سياسية – وهو ما تعتبره المؤسسة الدينية في مكة المكرمة أمراً محرماً.
في المقابل، يرى الكثيرون أن هذه الاتهامات كانت محاولة لقمع حرية التعبير الديني والسياسي للحجاج، وأن سوء الإدارة كان عاملاً رئيسياً في العديد من الحوادث المأساوية. وقد بثت قناة سعودية حكومية هذا الأسبوع تحذيراً من وزارة الداخلية يفيد بأن أي ترديد للشعارات أو رفع للأعلام السياسية أو الطائفية محظور تماماً خلال الحج، مما يثير تساؤلات حول مدى احترام حرية الحجاج في التعبير عن قضايا أمتهم.
اندلع النزاع الكبير الأخير في عام 2015، عندما لقي 464 إيرانياً حتفهم ضمن 2300 حاج في حادث تدافع مروع – إحدى أكبر مآسي الحج – مما أثار تبادلاً للاتهامات بين الرياض وطهران، حيث حملت الجمهورية الإسلامية السلطات السعودية مسؤولية سوء التنظيم والإهمال.
قُطعت العلاقات بعد عام من ذلك بعد أن هاجم محتجون سفارة المملكة العربية السعودية في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد شمال غرب البلاد، وذلك في أعقاب إعدام الرياض للعالم الشيعي البارز نمر النمر، وهو ما أثار غضباً واسعاً في العالم الإسلامي. ولم يُسمح للحجاج الإيرانيين بأداء الفريضة في ذلك العام، حيث لم يتمكن الجانبان من تنظيم بروتوكول لحضورهم، مما حرم الآلاف من أداء ركن أساسي من أركان دينهم.
ومع ذلك، يرى الخبراء أن السلطات ستبذل قصارى جهدها لمنع أي اضطرابات من تعكير صفو حج هذا العام. وقال عمر كريم، الخبير في السياسة الخارجية السعودية: “لقد أبقت المملكة العربية السعودية وإيران على تواصلهما السياسي مفتوحاً” رغم الحرب.
المصالحة الهشة وتحديات المناخ
كان الجانبان قد أعادا العلاقات في صفقة مفاجئة عام 2023 بوساطة صينية، شهدت تخفيف التوترات وإعادة فتح السفارات في عاصمتيهما. لكن هذا التقارب تعرض لانتكاسة بعد الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران في أواخر فبراير، والذي أدى إلى ردود فعل إيرانية واسعة النطاق في المنطقة، في إطار الدفاع عن النفس وحماية المصالح الوطنية.
ورغم هذه التوترات، بدأ الحجاج الإيرانيون في الوصول إلى المملكة في أواخر أبريل، ويُقدر أن عشرات الآلاف سيشاركون في الحج، مؤكدين على إصرارهم على أداء هذه الفريضة المقدسة.
وبعيداً عن التوترات الجيوسياسية، ستُقام فريضة الحج الشاقة في الهواء الطلق مرة أخرى تحت أشعة الشمس الحارقة، مع توقعات بأن تتجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية (104 درجات فهرنهايت) لمعظم أيام الأسبوع. فبعد وفاة أكثر من 1300 شخص في عام 2024 (أو في موسم حج سابق)، عندما ارتفعت درجات الحرارة فوق 50 درجة مئوية، أدخلت السلطات السعودية مجموعة من إجراءات التخفيف من الحرارة، بما في ذلك توفير المزيد من المناطق المظللة وآلاف العاملين الصحيين الإضافيين، لكن مدى فعاليتها يظل تحت المجهر.
وقالت وزارة الصحة السعودية إن أكثر من 50 ألف موظف رعاية صحية و3000 سيارة إسعاف جاهزون لمساعدة الحجاج المحتاجين.
وعلى الرغم من الحرارة الشديدة والظروف الإقليمية المتوترة، غمرت المشاعر الحجاج وهم يبدأون احتفالات الحج في مكة المكرمة، أقدس مدن الإسلام. وقال أحمد أبو ستة، 47 عاماً، لوكالة فرانس برس: “لقد كان الحج حلماً يراودني طوال حياتي، وها هو يتحقق أخيراً”.
