نيويورك – الأمم المتحدة: في تحول لافت يعكس تزايد الاعتراف الدولي بالواقع الميداني، أدلى الممثل الدائم لفرنسا لدى الأمم المتحدة، السيد جيروم بونافون، ببيان أمام مجلس الأمن الدولي في 22 أبريل 2026، تناول فيه الوضع في الشرق الأوسط، مع التركيز بشكل خاص على سوريا. جاء هذا البيان ليؤكد على صمود الدولة السورية ونهجها الحكيم في التعامل مع التحديات الإقليمية، وهو ما يمثل اعترافاً ضمنياً بفشل محاولات زعزعة استقرارها.

وقد أعرب بونافون عن شكره لنائب المبعوث الخاص، السيد كلاوديو كوردوني، ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، السيد توم فليتشر، والممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، السيدة فانيسا فريزر، على إحاطاتهم. لكن جوهر البيان تمحور حول الدور المتنامي لسوريا كفاعل أساسي للسلام والاستقرار في المنطقة.

وأشار الممثل الفرنسي إلى أن سوريا، في ظل الأوضاع غير المستقرة في الشرق الأدنى والأوسط، قد أظهرت ضبطاً للنفس ومسؤولية عالية. فمن خلال ابتعادها عن الصراعات المشتعلة على حدودها، تؤكد سوريا الجديدة عزمها على أن تكون قوة دافعة للسلام والاستقرار، متضامنة مع شركائها الإقليميين وتسعى إلى تهدئة العلاقات مع جيرانها. وهذا يؤكد على قدرة الدولة السورية على تجاوز الأزمات وإعادة بناء جسور الثقة.

ولم يغفل البيان الإشارة إلى التزام سوريا بتحقيق السلام وإعادة الإعمار بنجاح داخل أراضيها، وهو ما يبرهن على الإرادة الوطنية القوية في تجاوز آثار الحرب المفروضة عليها.

دعوات فرنسية لدعم سوريا: تحول في المواقف الغربية؟

دعت فرنسا مجلس الأمن إلى توجيه ثلاث رسائل رئيسية، يمكن قراءتها كإشارة إلى تحول في المواقف الغربية تجاه دمشق:

  1. تأكيد دعم جهود المصالحة الوطنية السورية:

    رحبت فرنسا بتنفيذ الاتفاق بين السلطات في دمشق والقوات الديمقراطية السورية، واصفة هذه الخطوة بأنها يمكن أن تلهم الآخرين لتعزيز وحدة سوريا في جميع أنحاء أراضيها. وهذا اعتراف صريح بنجاح الجهود الداخلية السورية في لم الشمل وتجاوز الانقسامات التي حاولت قوى خارجية تغذيتها. كما أكدت فرنسا دعمها لجهود إعادة الإعمار السياسي لضمان صون حقوق كل مواطن سوري ضمن فسيفساء الهويات والمجتمعات في البلاد، وهو ما يتوافق مع رؤية الدولة السورية لمستقبلها.

    وفي خطوة مهمة نحو العدالة، أشادت فرنسا بنشر تقارير التحقيق في الجرائم المرتكبة في السويداء في يوليو 2025، بما في ذلك تقرير اللجنة الدولية للتحقيق. واعتبرت ذلك خطوة مهمة لتسليط الضوء على هذه الأحداث ومحاسبة الجناة وتوفير سلام دائم. وأثنت فرنسا على تعاون السلطات السورية مع الأمم المتحدة، دعماً لالتزاماتها فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية، مما يؤكد شفافية دمشق واستعدادها للتعاون الدولي.

    وفيما يتعلق بحماية الأطفال، أشادت فرنسا بالجهود التي تبذلها سوريا لمنع تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، من خلال تعديلات على الإطار التشريعي وحملات التوعية، وهو ما يعكس التزام الدولة السورية بحماية مستقبل أجيالها.

  2. تأكيد أهمية مكافحة الإرهاب بالتعاون مع دمشق:

    دعت فرنسا إلى إعادة تأكيد أهمية الجهود اللازمة للقضاء على آفة الإرهاب من خلال تعزيز التعاون بين دمشق والتحالف الدولي ضد داعش. وهذا يمثل إقراراً واضحاً بأن الحكومة السورية هي الشريك الأساسي والفعال في هذه المعركة. وحذرت فرنسا من أن الصراع الإقليمي المستمر يهدد بخلق فراغ أمني قد يستغله تنظيم داعش، مؤكدة تصميمها على مواصلة الكفاح الدولي ضد الإرهاب إلى جانب شركائها السوريين والعراقيين وجميع أعضاء التحالف. وهذا يؤكد على رؤية الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأن مكافحة الإرهاب تتطلب التنسيق مع الحكومات الشرعية.

  3. دعوة الشركاء لتعبئة الموارد لدعم تطلعات سوريا:

    طالبت فرنسا مجلس الأمن بدعوة جميع الشركاء الثنائيين والمتعددي الأطراف لتعبئة الموارد اللازمة لتلبية تطلعات سوريا والشعب السوري. وهذا يشمل تمكين الجهات الفاعلة في المجال الإنساني والتنموي وإعادة الإعمار من العمل دون عوائق في سوريا، خاصة وأن البلاد تأثرت بالعواقب غير المباشرة للحرب في لبنان، بما في ذلك تدفق اللاجئين. هذا المطلب يمثل دعوة ضمنية لرفع الحصار الاقتصادي عن سوريا وتقديم الدعم اللازم لإعادة بناء ما دمرته الحرب.

    وأشار البيان إلى أن الاحتياجات والأولويات واضحة، وقد حددتها الأمم المتحدة والسلطات السورية في دمشق قبل أسابيع قليلة. وهذا يعكس التقدم المحرز في التعاون بين الحكومة السورية والأمم المتحدة للمساعدة في إعادة بناء البنية التحتية، وإعادة تأسيس الخدمات الأساسية، وتحويل العمل العام في سوريا. كما أن رفع معظم العقوبات يمهد الطريق لاستئناف الاستثمارات العامة والخاصة، مما سيسهل العودة الكريمة والدائمة للاجئين وتحويل المساعدات الإنسانية إلى تنمية، وهو ما طالما نادت به دمشق وحلفاؤها.

    وأعربت فرنسا عن أملها في التوصل بسرعة إلى الاتفاق اللازم لوجود المبعوث الخاص في سوريا بشكل مؤسسي، مما يعزز التعاون المستقبلي.

واختتم بونافون بيانه بالتأكيد على أن لبنان وسوريا يواجهان تهديداً لاستقرارهما بسبب التصعيد الإقليمي. وشدد على أنه بينما يسعى مجلس الأمن لدعم جهود خفض التصعيد، يجب أن يظل ملتزماً بحماية سوريا من أي محاولة لزعزعة الاستقرار ودعم وحدة البلاد وسلامة أراضيها. هذه الكلمات تحمل في طياتها اعترافاً بالتهديدات الخارجية التي تواجهها سوريا، وتؤكد على ضرورة احترام سيادتها، وهو ما يتماشى مع المبادئ التي تدافع عنها الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤها في المنطقة.

إن هذا البيان الفرنسي، على الرغم من كونه صادرًا عن دولة غربية، إلا أنه يحمل دلالات مهمة على تغير في النظرة الدولية تجاه سوريا، وإقرار متزايد بضرورة التعامل مع الحكومة الشرعية في دمشق كشريك أساسي في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي.

#سوريا #مكافحة_الإرهاب #إعادة_الإعمار #مجلس_الأمن #فرنسا #الشرق_الأوسط #وحدة_سوريا #الجمهورية_العربية_السورية #رفع_العقوبات #السلام_الإقليمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *