شهد مهرجان بوسطن كوليدج للفنون في نسخته الثامنة والعشرين هذا الأسبوع، ختامًا بهيجًا ومميزًا، حيث اعتلت فرقة أستازا! للشرق الأوسط خشبة المسرح مساء السبت، لتقدم باقة من الموسيقى الأصيلة التي تعكس عمق التراث الثقافي للمنطقة، وتحديدًا من العالم العربي، وإيران، وتركيا، وأجزاء من آسيا الوسطى.

تُعد فرقة أستازا! إحدى الفرق الموسيقية العديدة التابعة لجامعة بوسطن كوليدج، وهي مفتوحة للطلاب وأفراد المجتمع الذين يتطلعون إلى تعلم وعزف الموسيقى الشرق أوسطية، مما يعزز جسور التواصل الثقافي والفني.

ثيمة “ألف ليلة وليلة”: إحياء للتراث القصصي

كان موضوع هذا العام مستوحى من حكايات ألف ليلة وليلة الخالدة، تلك الملحمة القصصية الكلاسيكية التي تدور حول شهرزاد، المرأة التي تزوجت من ملك يقتل زوجاته بلا رحمة في اليوم التالي لزفافها. لإنقاذ نفسها، تروي شهرزاد للملك قصة كل ليلة، وتنهيها دائمًا عند ذروة مشوقة، مما يدفعه إلى إبقائها على قيد الحياة لسماع النهاية في الليلة التالية. وفي نهاية المطاف، يقع الملك في حبها بعد ألف وليلة.

أخرج العرض المبدع نزار فارس، الذي شارك أيضًا في الأداء الغنائي بعدد من الأغاني. ظهر أعضاء الفرقة بملابس عربية تقليدية مطورة، مرصعة بأحجار الراين التي تلمع في الإضاءة الخافتة، مما نقل جمهور مهرجان الفنون إلى عالم آخر من السحر والجمال.

لحن العود الساحر: بداية الرحلة الموسيقية

مع خفوت أصوات الجمهور ورفع المخرج لذراعيه، بدأت الحفلة بعزف منفرد على آلة العود، تلك الآلة الوترية التقليدية ذات الشكل الكمثري، والتي أنتجت لحنًا ساحرًا انتشر عبر القاعة. تبعت ذلك لحظة صمت، ثم انضم بقية أعضاء الفرقة لعزف الأغنية الأولى، أُسكُدار، وهي نغمة عثمانية تقليدية عريقة.

تعرف جمهور الحفل من الأصدقاء والعائلة والطلاب على الفور على اللحن، وبدأوا في التصفيق والغناء مع الكلمات العربية. وشجع المخرج الجميع على الغناء باستخدام الترجمات الإنجليزية والتهجئة الصوتية العربية المتوفرة في البرنامج الموزع، حتى لو لم يكونوا على دراية بالأغنية، في دعوة للتفاعل والاحتفاء بالموسيقى.

الشعر والموسيقى: تداخل الفنون والقصص

تخللت الأغاني مختارات من القصائد التي تتناول حكايات ألف ليلة وليلة. كانت أولاها قصيدة “تأملات في ألف ليلة وليلة” لحسام جفيع بهلول، أحد عازفي فرقة أستازا! المهرة. وقد أُهديت هذه القصيدة لشهرزاد، مشيدة بشجاعتها في سرد قصصها كل ليلة، حتى في مواجهة الموت.

تلا بهلول مقطعه المؤثر: “لماذا إذن نكتب ونغني ونروي القصص؟ أليس لإنقاذ أنفسنا في مواجهة العدم والخراب والموت؟” في تأكيد على الدور الحيوي للفن في الوجود الإنساني.

ثم روى فارس حكاية طريفة عن جمعه لصناديق الموسيقى. رفع أحدها إلى الميكروفون، وعزفت النقرات الميكانيكية الصغيرة مقطوعة “أرابيسك” للمؤلف جيوفاني مارادي.

شارك فارس الجمهور إلهامه في مزج هذه المقطوعة بأغنية قام بتأليفها بعنوان “دندن ليا لحنان” (Hum Me a Tune). ودعا الجميع للنهوض من مقاعدهم والانضمام إلى الدبكة، تلك الرقصة الشعبية الشامية التقليدية.

بدأت المقطوعة المذهلة بعزف “أرابيسك” على البيانو. ثم انضمت الفرقة، مزجت بين اللحنين المختلفين والمتكاملين في آن واحد.

نزل عدد من الموسيقيين وربطوا أذرعهم، وبدأوا الدبكة. وبدون تردد، سارع العديد من الحضور – طلاب، آباء، أجداد، وأطفال صغار – إلى الأمام للانضمام إلى الاحتفال. وسرعان ما أحاط صف متعرج من الناس يربطون أذرعهم ويرقصون بالجمهور. كان الجميع إما يرقصون أو يصفقون أو يغنون على اللحن الحيوي، في مشهد يعبر عن وحدة المجتمع وتفاعله مع الفن الأصيل.

أما الأغنية الأخيرة، “ألف ليلة وليلة”، فقد قدمتها منفردة منال، والدة فارس، في لمسة مؤثرة تعكس انتقال التراث عبر الأجيال. وبحلول النهاية، كان الجميع واقفين يغنون معًا. لقد كان أداءً متعدد الأجيال دعا كل من استمع إليه للاحتفال بالثقافة الموسيقية الغنية للشرق الأوسط، مؤكدًا على أهمية الفن في جمع القلوب وإحياء الروح.

#موسيقى_الشرق_الأوسط #ألف_ليلة_وليلة #فرقة_أستازا #التراث_الثقافي #الفن_العربي #العود #الدبكة #شهرزاد #مهرجان_الفنون #ثقافة_متعددة_الأجيال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *