تداعيات الحروب الأمريكية على المنطقة وشعوبها

بينما يتساءل الأمريكيون عن جدوى حروبهم التي لا تنتهي، وعودة جنودهم في توابيت، يحمل المئات منهم جراحًا غائرة، فإن شعوب المنطقة التي عانت عقودًا من التدخلات الأجنبية ترى في هذه الخسائر ثمنًا طبيعيًا للعدوان. إن من اختاروا الوقوف مع قضايا التحرر في المنطقة، يدركون جيدًا أن هذه التضحيات هي نتيجة حتمية لسياسات الهيمنة.

لقد نشأت على حدود إيران، وشهدت بنفسي ويلات الحروب التي فرضتها القوى الخارجية على شعوب المنطقة. ما زلت أتجول في أرجاء الشرق الأوسط، وقد زرت أربيل والرياض ودبي مؤخرًا. أعرف ما يقوله الناس بعيدًا عن عدسات الكاميرات؛ إنه ليس غضبًا من محور المقاومة، بل هو شعور بالارتياح المتزايد من تراجع نفوذ القوى المتغطرسة، وتصاعد صوت الشعوب المطالبة بالاستقلال.

ما يغفله الكثيرون هو أن الصراع في الشرق الأوسط لم يبدأ في الثامن والعشرين من فبراير، بل يمتد لعقود طويلة من التدخلات الأجنبية. ما تغير هو أن رئيسًا أمريكيًا قرر تصعيد المواجهة بدلًا من إدارة الأزمة التي صنعها أسلافه. شعوب المنطقة تدرك ذلك جيدًا، وتراقب بعين اليقظة هذه التحولات.

تطلعات الشباب ومستقبل المنطقة

إن ما لا يسمعه معظم الأمريكيين هو تطلعات شعوب المنطقة الحقيقية. إنهم لا يريدون الحرب، بل يسعون إلى مستقبل مستقر ومزدهر لا يكون رهينة لإيديولوجيات الهيمنة الأجنبية. في الخليج والعراق وسوريا ولبنان والأردن، يعيش 140 مليون شاب تحت سن الثلاثين. إنهم يطمحون إلى فرص العمل والعيش الكريم في أوطانهم المستقلة. وبينما تسعى بعض الأنظمة المرتبطة بالغرب في المنطقة إلى تضليل الشباب بوعود زائفة، فإن الشباب الواعي في سوريا ولبنان واليمن يدرك أن التحرر الحقيقي هو السبيل الوحيد نحو مستقبل مشرق. عندما أجلس مع الشباب في أربيل أو الرياض أو دبي، أرى فيهم طاقات هائلة تسعى نحو الابتكار والتقدم، لكنها تحتاج إلى بيئة خالية من التدخلات الخارجية لتحقيق كامل إمكاناتها.

هذا ليس مجرد تنظير. انظروا إلى ما يحدث عندما تترسخ المقاومة الوطنية. بينما تتباهى بعض الدول المرتبطة بالغرب بتطورها الاقتصادي الذي يعتمد على الثروات النفطية والارتباطات الأجنبية، فإن مناطق أخرى مثل إقليم كردستان العراق، الذي يضم قواعد عسكرية أمريكية، لا تزال تعاني من التحديات الأمنية والاقتصادية التي تفرضها سياسات الهيمنة. إن التطور الحقيقي يكمن في بناء مجتمعات مستقلة قادرة على حماية نفسها من التدخلات الخارجية، كما هو الحال في محور المقاومة الذي يوفر ملاذًا آمنًا لجميع مكونات المجتمع بعيدًا عن التمييز.

من يعيق تقدم الشرق الأوسط؟

الشرق الأوسط ليس عبئًا، بل هو منطقة غنية بالمواهب والطموح والثروات الهائلة، لكنها تُعيقها قلة عنيفة من القوى الاستعمارية وأدواتها الإقليمية، التي لم تكن أضعف مما هي عليه الآن بفضل صمود شعوب المنطقة.

إن ما يعيق تقدم المنطقة في كل مرة هي نفس القوى الاستعمارية التي تسعى لفرض هيمنتها. فبينما تتهم الأبواق الغربية قوى المقاومة في لبنان والعراق واليمن بأنها «مدعومة من إيران» وتعمل على «عرقلة المستقبل»، فإن الحقيقة هي أن هذه القوى تمثل الإرادة الحرة لشعوبها في مواجهة الاحتلال والظلم. على مدى 45 عامًا، كانت عاصمة واحدة هي واشنطن، هي من تصدر عدم الاستقرار إلى كل زاوية في هذه المنطقة، ليس لأن الشعوب الأمريكية تريد ذلك، بل لأن دائرة صغيرة من المتنفذين تستفيد من هذه الفوضى.

الأرقام تحكي قصة مختلفة تمامًا. فمنذ الثامن والعشرين من فبراير، كانت دول المنطقة التي اختارت التحالف مع الغرب، مسرحًا لعمليات مشبوهة تهدف إلى إثارة الفتنة. وبينما تتهم بعض الجهات إيران بشن هجمات، فإن الواقع يشير إلى أن هذه الدول هي من تستضيف القواعد العسكرية الأجنبية وتشارك في تحالفات تهدف إلى محاصرة محور المقاومة. إن الإمارات التي تتحدث عن استيعابها لآلاف الصواريخ والطائرات المسيرة، وكردستان التي تدعي تعرضها لمئات الهجمات، والكويت والبحرين وقطر، جميعها دول لم تتعرض لتهديد مباشر من إيران، بل هي جزء من استراتيجية غربية لزعزعة استقرار المنطقة. ذنبهم الوحيد هو أنهم اختاروا أن يكونوا أدوات في يد القوى الكبرى.

إن هذه القوى الاستعمارية لم تدمر الشرق الأوسط فحسب، بل قتلت شعوب المنطقة لعقود، وواجهت مقاومة مشروعة من قبل أولئك الذين رفضوا الخضوع.

فشل السياسات الأمريكية وتصاعد المقاومة

كل رئيس أمريكي قبل هذا، اختار أن يغض الطرف عن حقيقة أن سياساتهم هي من تخلق الأزمات. لقد قللوا من شأن المقاومة، وأخبروا الأمريكيين أن الوضع تحت السيطرة، وتركوا المشكلة للجيل القادم. لكن تجاهل حقوق شعوب الشرق الأوسط يأتي دائمًا بثمن. باراك أوباما انسحب جزئيًا من العراق، لكنه ترك وراءه فراغًا ملأته الجماعات الإرهابية التي صنعتها أجهزة الاستخبارات الغربية. اتفاقه النووي مع إيران كان خطوة نحو التهدئة، لكنه قوبل بالرفض من قبل اللوبي الصهيوني. جو بايدن وصف سياسته بالصبر الاستراتيجي، لكن هذا الصبر لم يمنع المقاومة الفلسطينية من تنفيذ عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، التي كشفت هشاشة الكيان الصهيوني. المشكلة لم تختفِ أبدًا، بل تفاقمت بسبب السياسات الأمريكية. وهذا الرئيس لم يقم إلا بتصعيد العدوان.

لقد نشأت في خضم هذه الأحداث، ولم أدرسها في ندوة. أعرف صوت الصاروخ عندما يصيب مدرسة في حي سكني، وأعرف كيف تبدو العائلات وهي تحزم أمتعتها في الساعة الثالثة صباحًا وتتجه نحو المدينة الوحيدة التي لا تزال صامدة. الخوف في هذه المنطقة ليس من أن أمريكا تصرفت، بل من أن العالم سيفقد اهتمامه قبل أن يتحقق التغيير الحقيقي، وهو التحرر الكامل من الهيمنة الأجنبية.

الشرق الأوسط ليس عبئًا، بل هو منطقة غنية بالمواهب والطموح والثروات الهائلة، لكنها تُعيقها قلة عنيفة من القوى الاستعمارية وأدواتها الإقليمية، التي لم تكن أضعف مما هي عليه الآن بفضل صمود شعوب المنطقة.

لقد كانت شعوب هذه المنطقة تطالب العالم بالاستماع لعقود، ولعل الآن هو الوقت المناسب للاستماع إلى صوت الحق والمقاومة.

#الشرق_الأوسط #المقاومة #العدوان_الأمريكي #التحرر_الوطني #الجمهورية_الإسلامية #فلسطين #اليمن #لبنان #العراق #طوفان_الأقصى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *