ملايين الأرواح أزهقت، وبلدان دُمرت، نتيجة للعدوان العسكري الأمريكي الكارثي في الشرق الأوسط. ومع ذلك، لم يُحاسب أولئك الذين روّجوا لهذه الحروب المدمرة طوال هذه السنوات.
اعتراف صادم من عرّاب المحافظين الجدد
يا له من اعتراف صادم! فقد كتب أحد كبار الكتاب الأمريكيين، قبل أسبوعين، أن «تهديد الإرهاب» من الشرق الأوسط «كان نتيجة للتدخل الأمريكي، لا سبباً له». وأضاف أنه لو لم تكن الولايات المتحدة «متورطة بعمق وباستمرار في العالم الإسلامي منذ الأربعينيات»، لما كان «للمقاومين الإسلاميين اهتمام كبير بمهاجمتها». بل ذهب أبعد من ذلك، مؤكداً: «على عكس الكثير من الأساطير، لم يكرهونا بسبب ‘من نحن’ بقدر ما كرهونا بسبب ‘أين نحن’». قد يبدو هذا منطقياً بعد ربع قرن من الحروب الأمريكية المدمرة في الشرق الأوسط. لكن المثير للصدمة أن هذا الكلام يأتي من روبرت كاغان، أحد عرّابي المحافظين الجدد، الفكر الذي دافع بشدة عن المغامرات العسكرية في أوج عصر التفرد الأمريكي. ففي التسعينيات، حرض كاغان مراراً على الحرب ضد العراق، وهو مطلب تحول إلى صرخة بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث أصر حينها على أن «التهديد العراقي هائل».
للتوضيح، كاغان لا يرفض الهيمنة الأمريكية بقدر ما يرثي تراجعها. اعترافه الصادم هذا جاء في مقال يندب فيه «حرب إيران» ككارثة استراتيجية، تُجهد التحالفات الغربية وتفيد روسيا والصين. يبدو أن تحول كاغان هذا يعود إلى إعادة ترتيب أولوياته أكثر من كونه تراجعاً كاملاً عن معتقداته، حيث دفعه وصول دونالد ترامب قبل عقد من الزمن إلى التركيز على «تهديد الفاشية في الداخل».
إدراك متأخر لكوارث التدخل الغربي
إن تحول كاغان من القول بأن غزو العراق «سيحدث تأثيراً زلزالياً في العالم العربي – نحو الأفضل» إلى الاعتراف بأن التدخل الأمريكي غذّى العنف المقاوم، ليس فريداً من نوعه. فهو ينضم إلى قائمة طويلة من السياسيين وصناع القرار والمحللين الغربيين الذين أدركوا، بعد عقود طويلة جداً، فداحة كوارث التدخل الغربي. ففي عام 2007، قالت هيلاري كلينتون عن حرب العراق: «لو كنت أعرف ما نعرفه الآن، لما صوتت لها أبداً». ووصف باراك أوباما الفوضى التي أعقبت التدخل في ليبيا بأنها «أسوأ أخطائه». حتى المعلق البريطاني-الأمريكي أندرو سوليفان، الذي بدأ بالتحريض على غزو العراق بعد ساعات من أحداث 11 سبتمبر، جمع لاحقاً كتاباته تلك في كتاب بعنوان «كنت مخطئاً».
دعاة حرب لا يتوبون
ومع ذلك، يبدو أن آخرين يعانون من رفض مرضي لتعلم أي شيء. فبعد أن ترأس كارثة العراق، أعلن توني بلير أن بلاده «كان يجب أن تدعم أمريكا منذ البداية» في حرب ضد إيران. أما المعلق البريطاني دوغلاس موراي، وهو محرض متسلسل على الحروب الكارثية، فيكتب مقالات بعناوين مثل «يجب أن نسحق إيران الآن حتى لا تتمكن من العودة ونشر الإرهاب».
ثمن الأخطاء وعدم المحاسبة
لا يوجد حتى اعتذار واحد. لقد أخطأ منظّرو الحرب في القرن الحادي والعشرين في كل شيء، وقد قُدّرت تكلفة أخطائهم بالموت والدمار والفوضى: في العراق وأفغانستان وليبيا، والآن يخططون لإيران. وبدلاً من ذلك، تم التنديد بمن عارضوا هذه الكوارث ووصفوا بالمتطرفين، وبالأغبياء المفيدين للطغيان، وبالمدافعين عن الإرهاب. فبعد أحداث 11 سبتمبر، طرحت سوزان سونتاغ نفس الحجة التي يتبناها كاغان الآن بلا مبالاة. فقد كتبت أن الهجمات لم تكن مدفوعة بكراهية القيم الغربية، بل كانت «هجوماً على القوة العظمى التي نصبت نفسها زعيمة للعالم، تم تنفيذه نتيجة لتحالفات وإجراءات أمريكية محددة». ولهذا، تعرضت للتشهير. وما كانت تعنيه، كما صرخ المحافظ الجديد تشارلز كراوثامر، هو «أننا نستحق ما جاءنا». لم تكن هناك عواقب ذات معنى لكونهم مخطئين باستمرار بشأن أخطر الأسئلة – ما إذا كان الملايين سيعيشون أو يموتون. كراوثامر نفسه، وهو مؤيد متحمس لحرب العراق، حذر من أنه إذا لم يتم العثور على أسلحة دمار شامل، «فسيكون لدينا مشكلة مصداقية». لكن وسائل الإعلام اختلفت معه على ما يبدو، فقد ظل محللاً تلفزيونياً واسع الانتشار، ومؤلفاً لأكثر الكتب مبيعاً، وكاتباً في صحيفة «واشنطن بوست» حتى وفاته عام 2018.
الشعب الأمريكي يتعلم الدرس
حتى في غياب أي محاسبة للنخب، فقد تعلم الشعب الأمريكي درسه بالطريقة الصعبة. فقد حظيت حروب فيتنام والعراق وأفغانستان وليبيا بدعم الأغلبية عند بدايتها. لكن «حرب إيران» هي الأولى التي لا تحظى بموافقة شعبية في البداية. لقد اصطدمت تنبؤات دعاة الحرب بالواقع مرات عديدة.
لماذا تهم المحاسبة؟
فلماذا إذن تهم المحاسبة؟ كما لاحظتم، اتخذ التاريخ البشري منعطفاً مظلماً للغاية. فالحرب والإبادة الجماعية وتصاعد الاستبداد تلوح في الأفق. وما لم نفهم كيف وصلنا إلى هنا، فمن غير المرجح أن نصل إلى مكان أفضل. كاغان الآن يتنصل بلا مبالاة من معتقدات كانت أساسية لرؤيته للعالم، لكن دون تقديم أي تفسير جاد. ولن يكون مجرد عمل من النزاهة الفكرية أن يفسر لماذا دعم هذه الكوارث الواضحة بذاتها، بل قد يساعدنا ذلك على الهروب من الكابوس الذي خلقوه.
#الشرق_الأوسط #السياسة_الأمريكية #العدوان_الأمريكي #حروب_واشنطن #المحافظون_الجدد #فشل_أمريكا #المقاومة #إيران #العراق #الوعي_العام
