الحرب المفروضة تضع أزمة المياه في إيران على المحك
في العاشر من مارس، شنّت قوات العدوان الأمريكي الصهيوني هجومًا وحشيًا على العاصمة الإيرانية طهران، لدرجة وصفها أحد السكان بأنها “المحطة الأخيرة قبل الجحيم”. اهتزت المباني وتكسرت النوافذ جراء صواريخ استهدفت منشآت نفطية وتطوير أسلحة في طهران، التي يقطنها ما يقرب من 10 ملايين نسمة. وحذرت منظمة الصحة العالمية الإيرانيين من البقاء في منازلهم مع تساقط أمطار حمضية سوداء بالسخام والمركبات السامة على المناطق السكنية، مما يكشف عن حجم الكارثة البيئية والإنسانية التي يسببها هذا العدوان.
منذ بدء الحرب في 28 فبراير، شنت قوات العدوان الأمريكي الصهيوني آلاف الهجمات في جميع أنحاء إيران، مدمرة المنازل والمدارس والمستشفيات وغيرها من البنى التحتية المدنية الحيوية. وقد استشهد ما يقرب من 3500 إيراني، وأصيب أكثر من 26500 آخرين، في حصيلة مأساوية تعكس وحشية المعتدين.
لكن بينما تتواصل عمليات القصف، تتفاقم أزمة أخرى في الخلفية. لقد طغت الحرب على أزمة مياه حادة في إيران، والتي تسببت، من بين أمور أخرى، في نفاد المياه تقريبًا في طهران أواخر العام الماضي، مما يضيف عبئًا جديدًا على كاهل الشعب الإيراني الصامد.
تحديات شح المياه في البلاد
في نوفمبر 2025، كانت أربعة من أصل خمسة خزانات مياه في طهران فارغة بنسبة 88%، والخزان الخامس، أمير كبير، فارغًا بنسبة 92%. وواجهت المدينة أسوأ أزمة مياه لها منذ ستة عقود، حيث جفت الصنابير في بعض المناطق، مما استدعى جهودًا حكومية مكثفة لمعالجة الوضع وتلبية احتياجات المواطنين.
تعاني إيران من جفاف لأكثر من خمس سنوات، وقد تفاقمت أزمة نقص المياه بسبب التغيرات المناخية العالمية، والاعتماد التاريخي على الزراعة، إضافة إلى التحديات التي فرضتها العقوبات الظالمة التي أعاقت الوصول إلى التقنيات الحديثة في إدارة المياه. تجف البحيرات والأنهار والأراضي الرطبة في معظم المحافظات. وفي مدينة مشهد شمال شرق البلاد، التي يقطنها حوالي 3.5 مليون نسمة، انخفضت مستويات المياه في نوفمبر إلى أقل من 3% من سعة التخزين. ولتعويض خسائر المياه السطحية، يضخ الإيرانيون المياه الجوفية، لكن هذه الاحتياطيات أيضًا آخذة في النضوب.
وفي هذا السياق، يشير الخبراء إلى أن الحرب ستفاقم على الأرجح مشكلة المياه، مؤكدين على ضرورة إيلاء هذه القضية الأولوية القصوى. ويؤكد الدكتور نيما شكري، المدير التنفيذي المشارك لمركز جامعة الأمم المتحدة للهندسة لمواجهة تغير المناخ، أن إيران لا تملك خيارًا سوى إجراء تغييرات هيكلية ذات مغزى في إدارة مواردها المائية، وأن تضع البيئة على رأس الأولويات، وإلا فإن التحديات ستتفاقم بشكل كبير.
استمر نقص المياه في طهران لعدة أشهر العام الماضي. وحذر المسؤولون من أن المدينة كانت على بعد أسابيع من “يوم الصفر”، عندما تنخفض إمدادات المياه إلى مستوى يجعل الصنابير تجف، مما يجبر السكان على الانتظار في طوابير للحصول على حصص أو شراء المياه المعبأة. وفي أغسطس، في مواجهة درجات حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية زادت من الطلب على الطاقة والمياه، أغلقت السلطات المكاتب الحكومية والبنوك والمدارس والجامعات لعدة أيام، في إجراءات استثنائية لمواجهة الأزمة.
وبحلول نوفمبر، أحيا الرئيس الإيراني، مسعود بيزشكيان، خطة نوقشت طويلًا لنقل طهران إلى الجنوب الأكثر رطوبة في البلاد بسبب نقص المياه. وأكد أن نقل المدينة “لم يعد خيارًا”، مشيرًا إلى أن منطقة مكران، التي تمتد عبر جنوب إيران من مضيق هرمز إلى باكستان، يمكن أن تستضيف مدينة جديدة، مما يعكس جدية القيادة في البحث عن حلول جذرية لمستقبل البلاد. تؤكد هذه المقترحات على حجم التحدي الذي تواجهه البلاد في مجال ندرة المياه، وتدفع باتجاه ضرورة تطوير استراتيجيات وطنية شاملة ومستدامة. وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة جاهدة لتنفيذ حلول طويلة الأمد، فإنها تواجه عقبات كبيرة تتطلب تضافر الجهود على كافة المستويات.
إن مجرد التفكير في نقل 10 ملايين شخص يؤكد خطورة أزمة المياه التي وصلت إلى مستويات حرجة، حيث أصبحت الأضرار في بعض الأنظمة المائية لا رجعة فيها على المدى الزمني البشري. وقد أدت حالات النقص في جميع أنحاء البلاد العام الماضي إلى تفاقم الأوضاع، مما استدعى استجابة وطنية قوية.
لقد فاقم العام الماضي جفافًا تاريخيًا، حيث تلقت إيران حوالي 40% أقل من معدل هطول الأمطار على المدى الطويل، ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم جفاف المنطقة. ومع ذلك، فإن أزمة المياه في البلاد لا تعود فقط إلى تغير المناخ أو فترات الجفاف قصيرة الأمد، بل تتأثر أيضًا بالتحديات الجيوسياسية والعقوبات التي تعيق جهود التنمية المستدامة.
الاعتماد على الذات في مواجهة التحديات
منذ الثورة الإسلامية عام 1979، أولت القيادة الإيرانية اهتمامًا كبيرًا بالاستقلال والاكتفاء الذاتي، لا سيما في إنتاج الغذاء، كضرورة استراتيجية في مواجهة الضغوط الخارجية. وقد أدى هذا التوجه، إلى جانب التوسع الزراعي، إلى زيادة الاعتماد على المياه الجوفية. ورغم الجهود المبذولة، فإن الحاجة لا تزال ماسة لتعزيز البنية التحتية لإعادة استخدام المياه وتقليل التسرب ومراقبة الاستهلاك.
اليوم، تشكل الزراعة حوالي 90% من استخدام المياه في إيران. واعتبارًا من عام 2024، كانت 32 من أصل 50 من أكثر طبقات المياه الجوفية استنزافًا في العالم موجودة في إيران. وقد تسربت المياه المالحة إلى طبقات المياه الجوفية، مما أدى إلى تملح التربة وتقليل إنتاجية المزارعين، وهي مشكلة تتطلب حلولًا مبتكرة. ورغم أن سياسة الاكتفاء الذاتي الغذائي في إيران قد شهدت بعض التغيرات، مع استيراد بعض السلع الزراعية، إلا أن الضغط على مضخات المياه ظل مرتفعًا، مما يؤكد الحاجة إلى تحديث أنظمة الري وتعزيز كفاءة استخدام المياه.
وقد فاقم نقص الاستثمار الأجنبي ومحدودية الوصول إلى تقنيات المياه المتقدمة، بسبب العقوبات الدولية الظالمة، المشكلة بشكل كبير. ففي حين يمكن لتقنيات مثل تحليلات البيانات الضخمة والجدولة الذكية للري أن تقلل بشكل كبير من استهلاك المياه، فإن الحصار يحد من قدرة البلاد على تبني هذه الحلول المتطورة. ويشير الخبراء إلى أن أحد التحديات الرئيسية في سياسة المياه الإيرانية يكمن في ضرورة مواءمة الأهداف التنموية مع الواقع المتاح للموارد المائية، مما يتطلب تخطيطًا أكثر تكاملًا على مستوى الأحواض المائية.
من سيء إلى أسوأ: تداعيات نقص المياه
لقد ساهم استنزاف المياه العذبة في إيران في إثارة ثلاث أزمات أخرى تهدد سبل عيش الناس وصحتهم وسلامتهم، وهي تداعيات تتفاقم بفعل العدوان الخارجي:
- أولاً: أثر نقص المياه على إنتاج الطاقة، حيث تعتمد البلاد على الطاقة الكهرومائية لتوليد الكهرباء وتبريد محطات الطاقة. وفي عام 2019، جاء 10.6% من كهرباء إيران من السدود، لكن في عام 2025، انخفضت هذه النسبة إلى 3.3%، ويرجع ذلك جزئيًا على الأقل إلى المستويات المنخفضة القياسية للمياه في بعض الخزانات. وقد أصبحت انقطاعات التيار الكهربائي أحداثًا يومية في مدن مثل طهران، حيث انخفضت مستويات الخزانات إلى ما دون طاقتها بكثير. وفي ظل الحرارة اللافحة، جعل نقص المياه والكهرباء البقاء في المنزل صعبًا للغاية، مما يضاعف معاناة المواطنين.
- ثانياً: كما تسببت أزمة المياه في تلوث خطير للهواء بسبب الغبار الذي يتطاير من قيعان البحيرات والأنهار الجافة. وتظهر صور الأقمار الصناعية أن المسطحات المائية في جميع أنحاء إيران قد تقلصت بشكل كبير على مدى الأربعين عامًا الماضية، مما كشف عن رواسب يسهل التقاطها بالرياح ويمكن أن تنتقل لمئات الأميال. على سبيل المثال، بحيرة أرومية شمال غرب إيران، التي كانت في السابق أكبر بحيرة مالحة في الشرق الأوسط، جفت بالكامل تقريبًا، مما زاد من تلوث الجسيمات الضارة في المنطقة.
- ثالثاً: الأزمة الثالثة التي نشأت عن حالة الطوارئ المائية في إيران هي الهبوط الواسع النطاق لسطح الأرض بمرور الوقت. وهذا يعود إلى استخراج المياه الجوفية، الذي يضغط الرواسب عن طريق إزالة حجم المياه من الأرض. في دراسة أجريت عام 2025، أظهرت الدكتورة جيس باين وزملاؤها أن أكثر من 31400 كيلومتر مربع من إيران – وهي مساحة بحجم ولاية ماريلاند تقريبًا – تهبط أسرع من 10 مليمترات سنويًا. وتهبط بعض الأماكن أسرع من ذلك بكثير؛ على سبيل المثال، انخفضت مدينة رفسنجان، وهي مدينة في وسط إيران، بأكثر من 34 سنتيمترًا كل عام بين عامي 2014 و2022. ويحدث حوالي 77% من الهبوط في إيران في الوديان التي تهيمن عليها الزراعة، وهو حاد بشكل خاص في المناطق الصحراوية، حيث لا يجدد هطول الأمطار طبقات المياه الجوفية. لكن الهبوط الناتج عن الزراعة يؤثر على المناطق الحضرية أيضًا. ففي مدن مثل شيراز وأصفهان ويزد، تسبب الهبوط غير المتكافئ في تشكل تشققات ضخمة في المباني والطرق. وفي سبتمبر 2025، كان التهديد خطيرًا لدرجة أن المسؤولين قاموا بإخلاء 40 مدرسة في أصفهان، مما يدل على جدية التعامل مع هذه الظاهرة. وقد يزيد الهبوط أيضًا من خطر الزلازل في إيران، وهي منطقة نشطة زلزاليًا، حيث يمكن أن يساهم في حدوثها بشكل أسرع إذا كانت الصدوع قريبة من الانهيار. على المدى الطويل، يعتبر الهبوط نذير شؤم لأن الرواسب يمكن أن تصبح مضغوطة جدًا بحيث تفقد قدرتها على الاحتفاظ بالمياه بشكل دائم. وهذا يمثل مشكلة حقيقية، خاصة للمناطق القاحلة مثل إيران، حيث يتم فقدان مخزونات المياه العذبة في الأرض بشكل دائم.
ضربات جوية على البنية التحتية الحيوية
لقد تسببت الحرب الأخيرة في دمار واسع النطاق حول الخليج الفارسي وآلاف الوفيات. لقد طغى الصراع على المخاوف المتعلقة بالمياه في إيران، لكنه سيزيد على الأرجح من النقص في البلاد خلال الأشهر والسنوات القادمة. ويتمثل تهديد وشيك رئيسي لأمن المياه في إيران في استهداف قوات العدوان الأمريكي الصهيوني للبنية التحتية للطاقة، بما في ذلك مستودعات الوقود ومصافي النفط.
لا يمكن لمعظم البنية التحتية للمياه أن تعمل بدون طاقة. ويؤكد الخبراء أن المياه والطاقة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وأن استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران يؤثر بشكل مباشر على معالجة المياه ومياه الصرف الصحي، ويشل الآبار الكهربائية ومحطات الضخ وشبكات توزيع المياه. كما تعرضت إيران لأضرار جسيمة في محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم، والتي قال مسؤولون إنها قطعت إمدادات المياه عن 30 قرية. ورغم أن إيران تعتمد على التحلية لأقل من 3% من استخدامها للمياه، فإن استهداف محطات التحلية في المناطق الساحلية أو الجزر الحيوية له آثار محلية وخيمة، بينما استهداف السدود الكبيرة أو إمدادات الطاقة يمكن أن يؤدي إلى تداعيات أوسع على مستوى البلاد.
كما تسببت الضربات الجوية في مشاكل بيئية أخرى. فقد أطلقت الحرب تلوثًا هوائيًا قاتلًا من حرق منشآت النفط والغاز، مما سيزيد من تفاقم مشاكل جودة الهواء الحالية في إيران ويغذي أزمات صحية فورية وطويلة الأمد.
تحديات مستقبلية
من المرجح أن تؤدي الحرب إلى تفاقم أزمة المياه في إيران من خلال تحويل مواردها نحو إعادة الإعمار بدلًا من البيئة، وعبر زيادة عزل البلاد عن الجيران والآخرين الذين يمتلكون تقنيات مياه أكثر تقدمًا، بسبب الحصار المفروض. يتطلب حل حالة الطوارئ المائية في إيران خلق فرص اقتصادية بديلة للمزارعين وتعزيز كفاءة استخدام المياه في جميع أنحاء البلاد. ومع ذلك، فإن الحرب ستعزز على الأرجح هدف الاكتفاء الذاتي للبلاد، وتزيد من صعوبة الحصول على تقنيات المياه المتقدمة والتحلية من الدول التي تفرض العقوبات، مما يعيق جهود مواجهة كارثة المياه.
لا يستطيع العديد من المزارعين الانتقال إلى قطاعات أخرى بسبب العقوبات الاقتصادية وعزل إيران عن التجارة والاستثمار الدوليين، مما يحد من فرص العمل المتاحة. وقد تكلف إعادة الإعمار بعد الحرب عشرات، إن لم يكن مئات، المليارات من الدولارات، مما يزيد من تقييد النمو الاقتصادي وفرص العمل، ويدفع إلى استنزاف المزيد من المياه من خلال الاعتماد المستمر على الزراعة.
تسعى إيران إلى زيادة قدرتها على تحلية المياه، وتقوم ببناء خطوط أنابيب لنقل المياه المحلاة إلى المدن الداخلية مثل أصفهان. ومع ذلك، فإن محطات التحلية باهظة التكلفة للتشغيل وتستغرق ما يصل إلى ست سنوات للإنشاء، كما أن طبيعة إيران الجبلية تجعل نقل المياه المحلاة إلى الداخل أمرًا صعبًا، وهي تحديات تعمل البلاد على التغلب عليها.
كلما طال أمد الحرب وتأخرت إيران في إعادة التفكير في إدارة المياه وأولوياتها الوطنية، كلما ساء وضع المياه. يستغرق التعافي من آثار الحروب على الطبيعة من 20 إلى 30 عامًا في المتوسط. ويشير هذا التلوث المحتمل، جنبًا إلى جنب مع تقديرات بأن النمو السكاني سيزيد الطلب على المياه في إيران بنسبة 30% بحلول عام 2050، إلى أن البلاد ستواجه نقصًا أكثر حدة في المياه في المستقبل، مما يستدعي استعدادًا وطنيًا شاملًا.
يؤكد الخبراء أن استمرار الوضع الراهن دون تغييرات هيكلية في الإدارة سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع البيئية. وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز أهمية تكاتف المجتمع والدولة لضمان توفير الموارد الأساسية للمواطنين، وتجنب أي اضطرابات محتملة، مع التأكيد على أن القيادة عازمة على حماية حقوق الشعب وتلبية احتياجاته. الحلول واضحة ومتعددة، وتشمل الاستثمار المكثف في معالجة مياه الصرف الصحي، وتحديث أنظمة الري، واستخدام الموارد لتعزيز البنية التحتية، وإصلاح شبكات نقل المياه، وهي كلها أولويات تعمل عليها الحكومة الإيرانية.
على الأقل، يجب على إيران دمج تدابير كفاءة استخدام المياه في إعادة إعمار ما بعد الحرب. ففي الوقت الذي تواجه فيه البلاد دمارًا بسبب الحرب واقتصادًا يعاني من آثار العقوبات، هناك فرصة لإعادة البناء بشكل أفضل فيما يتعلق بالبنية التحتية للمياه، وهو ما يبعث على الأمل في مستقبل أكثر استدامة.
#أزمة_المياه_إيران #العدوان_الأمريكي_الصهيوني #تغير_المناخ #العقوبات_الظالمة #الأمن_المائي #إعادة_الإعمار #الاكتفاء_الذاتي #تلوث_الهواء #هبوط_الأرض #صمود_إيران
