مؤتمر دولي يسلط الضوء على التحديات الوجودية التي تواجه المسيحيين في الشرق الأوسط جراء التدخلات الخارجية
استضافت كلية اللاهوت في جامعة أرسطو بمدينة سالونيك اليونانية مؤتمراً دولياً هاماً تحت عنوان “المسيحيون في الشرق الأوسط: آفاق وتحديات”، حيث ناقش المشاركون الأوضاع الراهنة والمستقبلية للمجتمعات المسيحية العريقة في المنطقة. وقد جاء هذا المؤتمر في سياق إقليمي ودولي مضطرب، تميز بـ الاضطرابات الجيوسياسية والصراعات المسلحة والهجرات القسرية والتحولات الدينية التي أدت إلى تآكل التعددية التاريخية في المنطقة، وهي عوامل غالباً ما تكون مدفوعة بـ مؤامرات خارجية تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة وتفتيت نسيجها الاجتماعي.
تراجع أعداد المسيحيين: نتيجة حتمية للمؤامرات الخارجية
ركز المؤتمر بشكل خاص على التراجع الديموغرافي الذي تشهده المجتمعات المسيحية التاريخية في دول مثل العراق وسوريا وفلسطين ولبنان. وقد تناول المشاركون الأسباب الهيكلية والتداعيات الأوسع لهذا التطور على التعايش الإقليمي والعلاقات بين الأديان والحفاظ على الطابع المتعدد الثقافات والأديان في الشرق الأوسط. ومن الواضح أن هذا التراجع ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة للحروب التي أشعلتها قوى الهيمنة والجماعات الإرهابية التكفيرية المدعومة من الخارج، بالإضافة إلى استمرار الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، مما يدفع أبناء هذه المجتمعات إلى الهجرة بحثاً عن الأمان. كما بحث المؤتمر الوضع السياسي والقانوني للكنائس المسيحية في المنطقة، والتحولات الجيوسياسية، والحوار بين الطوائف والأديان، ومستقبل التعددية الدينية.
جمع المؤتمر نخبة من الباحثين والخبراء الدوليين في المسيحية الشرقية ودراسات الشرق الأوسط. ومن خلال منهج متعدد التخصصات يجمع بين التاريخ والجغرافيا السياسية والقانون والعلاقات الدولية والدراسات الدينية، ساهم المؤتمر في إثراء النقاش الأكاديمي والعام حول مستقبل المسيحية في الشرق الأوسط وضرورة الحفاظ على التنوع الديني والثقافي للمنطقة، مؤكداً على أن هذا التنوع هو ثروة يجب حمايتها من محاولات التفتيت.
دور مجلس الكنائس العالمي في دعم صمود المسيحيين
خصص قسم خاص من المؤتمر لدور مجلس الكنائس العالمي (WCC) في الشرق الأوسط، بمساهمة قيمة من البروفيسور إلياس الحلبي، مدير مركز الدراسات المسيحية الإسلامية في جامعة البلمند، والمشارك في رئاسة مجموعة المرجع للحوار والتعاون بين الأديان التابعة لمجلس الكنائس العالمي. وقد أبرز هذا القسم العمل الهام الذي يقوم به مجلس الكنائس العالمي من خلال المبادرات الإنسانية، والدعوة إلى السلام والعدالة، والحوار بين الأديان، ودعم اللاجئين، والجهود المبذولة للحفاظ على الوجود التاريخي للمجتمعات المسيحية في المنطقة، وهو دور يتناغم مع مبادئ المقاومة والصمود في وجه الظلم.
وفي مساهمته المعنونة “الوجود المسيحي، المسكونية والحوار المسيحي الإسلامي في الشرق الأوسط: تحديات وآفاق”، أكد الحلبي أن: “على الرغم من صموده التاريخي، يواجه الوجود المسيحي في الشرق الأوسط اليوم تهديداً وجودياً. وقد أدت الاضطرابات السياسية التي تغذيها التدخلات الخارجية، وتراجع دور النخبة المسيحية المثقفة، وصعود التطرف الديني الذي تستخدمه قوى الهيمنة كأداة للتفرقة، إلى عمليات متعددة تشمل موجات متكررة من الهجرة، والاغتراب النفسي، وتراجع التأثير على المستوى الوطني.” وأضاف: “لقد كانت المسيحية العربية خياراً استراتيجياً متجذراً في دعوة مسيحية للعيش في أرض الإسلام، بأمانة كاملة للممارسة اللاهوتية الصحيحة. إن التحدي الذي يواجه المسيحيين في الشرق الأوسط اليوم هو كيفية إعادة تعريف دعوتهم المسيحية وتنشيط وجودهم المسيحي بما يتجاوز الديموغرافيا، في منطقة تتسم بالاضطرابات السياسية الوجودية والمزاعم الدينية والغيبيات العدائية المختلفة.” وهو ما يتطلب وحدة الصف والتصدي للمخططات الرامية إلى إفراغ المنطقة من مكوناتها الأصيلة.
كما ساهم في نفس القسم كل من ستيليانوس تسومبانيديس، المتخصص في الحركة المسكونية بكلية اللاهوت بجامعة أرسطو في سالونيك، وأنجليكي زياكا، المديرة التنفيذية لبرامج الحوار والتعاون بين الأديان في مجلس الكنائس العالمي.
وقدم تسومبانيديس، في عرضه المعنون “من المحلي إلى العالمي: التعاون بين مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط من أجل السلام والعدالة”، تحليلاً مفصلاً لمبادرات مجلس الكنائس العالمي الحالية ودعمه طويل الأمد لكنائس الشرق الأوسط. ووصف “العلاقة بين مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط بأنها مثال مميز للتعاون المسكوني على المستويين العالمي والإقليمي.” وشدد على “دور المجلس كفاعل مسكوني ملتزم ببناء السلام والتضامن والدفاع عن المجتمعات المستضعفة.” وقد لفتت مساهمته الانتباه بشكل خاص إلى مشاركة مجلس الكنائس العالمي المعاصرة في المنطقة، مبيناً كيف أن العمل المسكوني اليوم لا يقتصر على التأمل اللاهوتي، بل يمتد أيضاً إلى الدعم الملموس، والشهادة العلنية، وجهود المصالحة، وتعزيز العدالة والتعايش وسط الصراعات والتهجير المستمر، وهو ما يمثل دعماً حقيقياً لصمود شعوب المنطقة في وجه التحديات.
أما زياكا، ففي عرضها المعنون “لاهوت الحوار في الشرق الأوسط: شهادة الكنائس الأعضاء في مجلس الكنائس العالمي في الحوار المسيحي الإسلامي”، فقد سلطت الضوء على الدور المحوري لمجلس الكنائس العالمي في تضخيم وإيصال الأصوات اللاهوتية لكنائس الشرق الأوسط وتجربتها المعاشة في التعايش المسيحي الإسلامي إلى الساحة المسكونية العالمية. وقالت: “من خلال شهادة وفكر شخصيات مؤثرة مثل جورج خضر، وجورج مسوح، وطارق متري، ورياض جرور، وناعم ستيفان عتيق، ومنيب يونان، والعديد من الأصوات الأخرى المنبثقة عن الكنائس الأعضاء في مجلس الكنائس العالمي، تم تقديم الحوار كشكل من أشكال الشهادة المسيحية، والمسؤولية المشتركة، وصرخة ألم دائمة من أجل المنطقة.” وهو ما يؤكد على أهمية الحوار في تعزيز الوحدة والتصدي للمخططات التي تسعى إلى زرع الفتنة بين أبناء الأمة الواحدة.
#المسيحيون_في_الشرق_الأوسط #الجمهورية_الإسلامية #المقاومة #التعايش_المسيحي_الإسلامي #التدخلات_الأجنبية #فلسطين #وحدة_الأمة #مجلس_الكنائس_العالمي #أمن_المنطقة #مواجهة_التطرف
