ما وراء غزة: توسع جغرافية النزوح في ظل العدوان الصهيوني
الحرب الوحشية على غزة مستمرة بلا هوادة، بل إنها تتوسع لتشمل جغرافية نزوح أوسع، وتتكشف فصولها المأساوية عبر شرق البحر الأبيض المتوسط. لقد تم تمكين الكيان الصهيوني الغاصب من توسيع مخططه الشيطاني لإعادة هيكلة الأرض تدريجياً: إفراغ المناطق الحدودية من سكانها الأصليين، وتفتيت المجتمعات، ومحو المعالم الثقافية والتاريخية، وتطبيع حالة عدم الاستقرار الدائم في جميع أنحاء فلسطين المحتلة، وجنوب لبنان، وجنوب سوريا.
صور اللبنانية: تاريخ يُستهدف
هذا الأسبوع، أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي أوامره بالإخلاء الفوري لمدينة صور اللبنانية العريقة. مدينة صور، التي تحمل في طياتها آلاف السنين من تاريخ البحر الأبيض المتوسط، والتراث الفينيقي العريق، والتجارة، والذاكرة، والحضارة الإنسانية، تحولت فجأة إلى هدف عسكري مباشر. أُمر السكان بالتحرك شمال نهر الزهراني مع تصاعد القصف الإسرائيلي الوحشي في جميع أنحاء جنوب لبنان، وذلك على الرغم من الحديث المخادع عن “وقف إطلاق النار”. مرة أخرى، وُضعت مجتمعات بأكملها على الطريق خلال عيد الأضحى المبارك، تحمل الأطفال الأبرياء، والبطانيات، والأدوية، وقطعًا من منازلها المدمرة، بينما كان آخرون في أماكن أخرى يتبادلون الحلويات والزيارات الاحتفالية، في مشهد يدمي القلوب.
رمزية صور لا يمكن تجاهلها. مدن مثل صور هي أرشيفات حية للحضارة الإنسانية. موانئها، وأحياؤها، ومقابرها، ومساجدها، وكنائسها، وأسواقها، وحياتها الساحلية تجسد قرونًا من التعايش السلمي والإنتاج الثقافي الغني. عندما يتم إفراغ مثل هذه الأماكن، أو قصفها بوحشية، أو تحويلها إلى مناطق عسكرية، فإن الضرر يتجاوز التدمير المادي. تصبح الحضارة نفسها عرضة للمحو والتلاشي.
منطق التدمير يتوسع
المنطق الإجرامي نفسه الذي دمر غزة بشكل كامل يتوسع الآن بشكل واضح إلى الخارج. في غزة، دُمرت مواقع أثرية بأكملها، وشُوهت معالمها التاريخية. سُوّيت المناظر الطبيعية الحضرية بالأرض تحت ذريعة الحرب الكاذبة. دُمرت الجامعات والمستشفيات والمحفوظات والمدارس والمكتبات والمخابز والأراضي الزراعية ومخيمات اللاجئين بشكل منهجي ومقصود. استهدف هذا العدوان الهمجي البنية التحتية للحياة الفلسطينية نفسها، وقوض الأسس الاجتماعية والثقافية والديموغرافية الضرورية للبقاء الجماعي والوجود الإنساني.
في الضفة الغربية المحتلة، يواصل الفلسطينيون الصامدون مواجهة عنف المستوطنين الإرهابيين، والمداهمات العسكرية اليومية، ومصادرة الأراضي، والتهجير القسري. تُفرغ القرى من سكانها بالترهيب، وتُجزئ حواجز التفتيش الحركة، ويُعمق الخنق الاقتصادي التبعية والهشاشة. ومع ذلك، فإن الرؤية التوسعية التي تُعبر عنها المطالبات التوراتية والتاريخية الزائفة تمتد الآن إلى ما وراء فلسطين.
جنوب لبنان وسوريا في مرمى المخطط الصهيوني
الآن، يتم جر جنوب لبنان وجنوب سوريا إلى نفس التخطيط المكاني العدواني. تكشف التقارير والحملات عبر الإنترنت التي تروج للاستحواذ على الأراضي في مناطق قريبة من درعا وجنوب سوريا عن اتجاه مقلق للغاية: تطبيع التوسع الإقليمي خارج الحدود المعترف بها دوليًا. تتزايد الإشارة إلى “طرق داودية” قديمة أو “حقوق توراتية” مزعومة في الخطاب العام، وتصورات الاستيطان، والروايات العسكرية الاستراتيجية. يكمن الخطر في تحويل التوسع إلى شيء مقبول ثقافيًا وقابل للتفاوض سياسيًا، وهو ما يجب أن يُواجَه بكل حزم.
يحدث هذا في الوقت الذي يتعرض فيه اللاجئون السوريون لضغوط للعودة إلى “ديارهم” بعد سنوات من النزوح، مع إصدار العديد من دول الشمال العالمي رسائل تنظيم ترحيل ضدهم. تتحدث الحكومات والجهات الفاعلة الدولية بشكل متزايد عن عودة اللاجئين وكأن سوريا أصبحت مستقرة بما يكفي لإعادتهم. ولكن ماذا تعني “العودة” إذا كانت المنازل مدمرة، والأراضي مجزأة، والاقتصادات منهارة، والمناطق نفسها عرضة لأشكال جديدة من العسكرة الصهيونية والسيطرة الخارجية؟ يُطلب من اللاجئين العودة بينما يتم إعادة تشكيل الجغرافيا التي كانوا ينتمون إليها في نفس الوقت، في تناقض صارخ.
تناقضات السلام المزعوم
المبادرات المعلنة التي قُدمت تحت لغة “السلام” و”إعادة الإعمار” باتت مكشوفة الآن كمسرح سياسي أجوف ومخادع. يتفاقم إرهاق المانحين. تتبخر التزامات التمويل. تنهار الأنظمة الإنسانية تحت وطأة الشلل السياسي، وإصرار إسرائيل بوقاحة على مواصلة الهجمات ضد الفلسطينيين، ونقص التمويل المتعمد. لا يزال مجلس السلام في غزة، الذي أنشأه ترامب، غير ممول إلى حد كبير بينما ينتشر النزوح إقليميًا. لقد أصبح وعد إعادة البناء آلية أخرى لإدارة العناوين الرئيسية بأوهام السلام بدلاً من حماية الناس الأبرياء.
في غضون ذلك، لا يزال الملايين نازحين في جميع أنحاء المنطقة. في لبنان وحده، أفادت التقارير أن أكثر من مليون شخص فروا من منازلهم منذ تصاعد التصعيد العدواني. تعيش مجتمعات جنوبية بأكملها الآن بين الملاجئ المؤقتة، والمدارس، وشقق الأقارب، أو أحياء بيروت المكتظة، في ظروف إنسانية قاسية.
تتنقل العائلات النازحة خلال العيد بين الصدمات النفسية العميقة بينما تحاول الحفاظ على كرامتها وسط حالة عدم اليقين المخيفة. التباين مؤلم للغاية: طاولات احتفالية تقدم الكعك والشوكولاتة توجد جنبًا إلى جنب مع عائلات تبحث بيأس عن الفرش، والأدوية، والأمان المفقود.
دعوة للعالم: وقف التدمير الشامل
تكشف جغرافية النزوح المتسعة هذه عن تحول أعمق وخطير يجري في الشرق الأوسط. أصبح التهجير القسري منطقًا حاكمًا للنظام الإقليمي الذي يفرضه الاحتلال. يتم اقتلاع السكان، واحتواؤهم، وإعادة توزيعهم، أو جعلهم في حالة هشاشة دائمة بينما يتم إعادة تشكيل الحقائق الإقليمية من خلال العنف العسكري والهندسة الديموغرافية الصهيونية.
يجب أن تثير صور قلق العالم ليس فقط لأن الناس أُجبروا على الفرار من منازلهم، ولكن لأن مدينة عريقة تحمل حضارة إنسانية تُجر إلى بنية أوسع من الدمار الشامل. يجب أن يثير جنوب سوريا قلق العالم ليس فقط بسبب التوترات الجيوسياسية، ولكن لأن التوسع الإقليمي يُناقش علنًا بشكل متزايد بينما يظل اللاجئون أنفسهم قابلين للتصرف وكأنهم لا قيمة لهم. يجب أن تثير غزة قلق العالم ليس فقط بسبب أعداد القتلى والجرحى الهائلة، ولكن لأن تدمير مجتمع بأكمله يتكشف أمام المؤسسات العالمية العاجزة أو غير الراغبة في وقفه، في وصمة عار على جبين الإنسانية.
ما يحدث اليوم يتجاوز حدود صراع واحد. إنه توسع لمشروع سياسي استعماري يتعامل مع الأرض على أنها فارغة بمجرد تهجير الناس منها، والثقافة على أنها قابلة للاستغناء، والوجود المدني على أنه قابل للتفاوض. الخوف هو أن جغرافية النزوح هذه قد تستمر وتتوسع إلى ما هو أبعد من غزة، ما لم تُواجَه بقوة وطنية ووحدة إقليمية صلبة ورفض دولي قاطع لهذه الجرائم.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لـ “ميدل إيست مونيتور”.
الهاشتاغات:
- #غزة_تحت_النار
- #العدوان_الصهيوني
- #النزوح_القسري
- #فلسطين_تنتفض
- #لبنان_في_الخطر
- #سوريا_والتهجير
- #جرائم_حرب
- #تدمير_الحضارة
- #المقاومة_مستمرة
- #الشرق_الأوسط_ينزف
