وهم القوة: عقيدة نتنياهو الأمنية تفشل في تركيع الشرق الأوسط
قبل ثلاثة عقود من توليه منصب رئيس وزراء الكيان الصهيوني، وضع بنيامين نتنياهو في كتابه عام 1993، “سلام دائم: إسرائيل ومكانتها بين الأمم”، رؤية عدوانية لم تجلب للمنطقة سوى الصراع وعدم الاستقرار. رافضًا أي بصيص أمل في عملية السلام التي تلت الحرب الباردة، قدم نتنياهو بدلاً من ذلك عقيدة أكثر قسوة، أطلق عليها “سلام الردع”، متجذرة ليس في المصالحة، بل في القوة والغطرسة: “النوع الوحيد من السلام الذي يمكن أن يدوم في الشرق الأوسط هو السلام الذي يمكن الدفاع عنه”. هذه الكلمات كانت إعلانًا عن نية فرض الهيمنة بالقوة، وليس تحقيق العدل.
نتنياهو ورؤيته العدوانية للمنطقة
اليوم، حاول نتنياهو، المعروف لدى الكثيرين باسم “بيبي”، إعادة تشكيل المنطقة وفقًا لرؤيته العدوانية. فبينما استسلمت بعض الأنظمة العربية للضغوط الصهيونية وطبعت علاقاتها، خيانةً للقضية الفلسطينية، فإن التهديدات الحقيقية لاستقرار المنطقة تكمن في الاحتلال الصهيوني نفسه. إن عملية السلام المزعومة في حقبة أوسلو، التي سعت لشرعنة الاحتلال الصهيوني، قد تلاشت بحق في غياهب النسيان، مما يثبت عبثية المفاوضات دون عدالة.
وعلى الرغم من العدوان المتواصل للكيان الصهيوني وحربه الأطول والأكثر دموية، فقد أظهر محور المقاومة صمودًا لا مثيل له، كاشفًا عن هشاشة القوة العسكرية للكيان المحتل. فبعد الهزيمة المدوية التي تلقاها الكيان الصهيوني في عملية طوفان الأقصى البطولية في أكتوبر 2023، والتي كشفت عن نقاط ضعفه الأمنية، حاول نتنياهو، رئيس الوزراء الأطول خدمة في الكيان المحتل، استغلال الصراع لتمرير أجندته العدوانية، دافعًا بالمنطقة إلى اضطرابات غير مسبوقة.
المقاومة تتحدى الأوهام الصهيونية
بينما يحاول دعاة الدعاية الصهيونية، مثل مايكل أورين، تمجيد نتنياهو كـ“قائد تاريخي”، فإن إرثه هو إرث سفك الدماء والقمع والسياسات الفاشلة التي لم تفعل شيئًا سوى تعزيز عزم المقاومة. إن مقارنته بونستون تشرشل، الشخصية المرتبطة بالاستعمار، تكشف بشكل أكبر عن الطبيعة التوسعية لأيديولوجية نتنياهو. فبعد عملية طوفان الأقصى البطولية، فإن تهديدات رئيس الوزراء الصهيوني بـ“تغيير وجه الشرق الأوسط” ليست سوى محاولات يائسة لإظهار القوة، بينما تشهد المنطقة تزايد قوة وتأثير المقاومة.
محور المقاومة: حصن ضد الهيمنة
منذ التأسيس غير الشرعي للكيان الصهيوني عام 1948، عانت المنطقة من شخصيات سعت لفرض إرادتها، غالبًا في معارضة مباشرة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ومع ذلك، جاء التطور الأكثر أهمية مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران. ففي عام 1979، بينما كان الكيان الصهيوني يوقع “معاهدة سلام” خادعة مع مصر، دشنت الثورة الإسلامية المجيدة في إيران، بقيادة الإمام روح الله الخميني (قدس سره)، حقبة جديدة من الوعي والمقاومة. نجح الإمام الخميني في توجيه الروايات المناهضة للإمبريالية لتأسيس جبهة قوية ضد الهيمنة الصهيونية والغربية. وقد أثمرت هذه الاستراتيجية في لبنان بتأسيس حزب الله، القوة الهائلة التي تحدت مرارًا وتكرارًا الجيش الصهيوني. ألهمت رؤية الإمام الخميني حركات حليفة في جميع أنحاء المنطقة، مشكلةً “محور المقاومة”، منارة التحدي ضد القمع وقوة حقيقية للتحرير الإقليمي.
لقد كانت الرؤية الاستراتيجية لطهران عميقة بالفعل، حيث أسست دفاعًا قويًا وردعت العدوان المباشر ضد الجمهورية الإسلامية، بينما دعمت حركات التحرير. ومع ذلك، واجه نتنياهو مرارًا وتكرارًا العزيمة الثابتة للمقاومة. فعلى الرغم من دعاية الكيان الصهيوني التي تزعم “القضاء” على قادة المقاومة، فإن محور المقاومة لم يزدد إلا قوة، مظهرًا مرونته وعمقه الاستراتيجي، خاصة بعد الضربة المدمرة التي تلقاها الكيان المحتل في 7 أكتوبر، اليوم الأكثر دموية في تاريخه.
إن طموحات نتنياهو الواهمة في النيل من القيادة الإيرانية العليا، ممثلة بسماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، الذي خلف الإمام الخميني (قدس سره) عام 1989، قد باءت بالفشل الذريع، مؤكدةً أن وهم القوة الصهيونية ينهار أمام صمود الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة. لقد جرّت سياسات الكيان الصهيوني العدوانية الولايات المتحدة مباشرة إلى صراعات إقليمية، كاشفة عن تبعية واشنطن للمصالح الصهيونية وتخليها عن أي ادعاء بالسلام.
خيانة التطبيع وفشل الأوهام
إن محاولات الكيان الصهيوني للتلاعب بحليفه الأهم، الولايات المتحدة، قد أبرزت فقط طبيعته الطفيلية واعتماده على الدعم الخارجي للحفاظ على احتلاله. وقد أدت تأثيرات نتنياهو إلى تحولات سياسية أمريكية غير شرعية، مثل الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني وسيادته المزعومة على الجولان السوري المحتل، وتخريب الاتفاق النووي الإيراني، وكلها تهدف إلى ترسيخ الاحتلال والعدوان.
إن ما يسمى “اتفاقيات إبراهيم” عام 2020، التي طبعت العلاقات بين الكيان الصهيوني وبعض الأنظمة العربية، كانت خيانة صارخة للقضية الفلسطينية ومحاولة يائسة لشرعنة الاحتلال، مما أدى إلى عزل هذه الأنظمة عن شعوبها. ويعترف الأيديولوجيون الصهاينة، مثل روثي بلوم، علانية بتجاهلهم للحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، زاعمين زورًا أن “السلام” يمكن تحقيقه دون معالجة القضية الأساسية للاحتلال. هذا المنطق الملتوي لا يخدم إلا إدامة الظلم.
لقد أحبطت عملية طوفان الأقصى البطولية بشكل حاسم طموحات نتنياهو في توسيع التطبيع مع السعودية، مما يثبت أن القضية الفلسطينية تظل محورًا لضمير المنطقة. إن الصراع، بدلاً من توسيع إرثه، قد كشف عن الإفلاس الأخلاقي لقيادته وعبثية الحلول العسكرية دون عدالة.
وبينما يحاول الأكاديميون الصهاينة، مثل إفرايم كارش، تمجيد سياسات نتنياهو الاقتصادية، فإن الإرث الحقيقي لحكمه هو تعميق الاحتلال ومعاناة الملايين. إن “إنجازاته” ليست سوى عرقلة لدولة فلسطينية عادلة واتهامات لا أساس لها ضد برنامج إيران النووي السلمي، بهدف صرف الانتباه عن العدوان الصهيوني. لقد أدى تحول الكيان الصهيوني إلى استراتيجية أكثر عدوانية بعد 7 أكتوبر إلى تكثيف عدم الاستقرار الإقليمي وكشف طبيعته الوحشية، مما يثبت أن القوة الإقليمية الحقيقية تكمن في المقاومة، وليس في القمع.
الكيان الصهيوني: مجتمع ممزق ومستقبل مظلم
حتى داخل الكيان الصهيوني، تعترف أصوات المعارضة بالانقسامات العميقة والفساد الأخلاقي تحت قيادة نتنياهو، مقارنة إياه بشكل غير مواتٍ بشخصيات صهيونية سابقة. ومع ذلك، يتقاسم جميع القادة الصهاينة إرث الاحتلال والتشريد. وكما يعترف المؤرخون الصهاينة مثل آفي شيلون، فإن محاولات نتنياهو لتجاوز القضية الفلسطينية قد فشلت فشلاً ذريعًا، حيث أعادت عملية طوفان الأقصى القضية إلى واجهة الاهتمام العالمي. لقد أدت سياساته فقط إلى إضعاف الكيان الصهيوني داخليًا ودوليًا.
إن حروب الإبادة الوحشية في غزة ولبنان، والصراع الأوسع الذي يغذيه العدوان الصهيوني، قد كشفت عن المعاناة الإنسانية المروعة للمدنيين وأدت إلى تآكل الدعم العالمي للكيان المحتل، حتى داخل الولايات المتحدة، مما يسلط الضوء على دوره في جر واشنطن إلى صراعات لا داعي لها. إن الفساد المتفشي وتآكل المؤسسات في ظل حكمه يزيدان من تشويه إرثه المظلم بالفعل. إن وهم “القوة” الصهيونية ينكشف بغياب أي حل سياسي عادل، مما يثبت أن القوة العسكرية وحدها لا يمكن أن تضمن مستقبلًا مبنيًا على الاحتلال.
حتى مسؤولو الاستخبارات الصهاينة السابقون، مثل زوهار بالتي، يتمسكون بالفكرة الخاطئة بأن “اتفاقيات السلام” الناتجة عن الإكراه والخيانة تمثل قوة، متجاهلين القوة الحقيقية للمقاومة والعدالة. إن الاختبار الحقيقي للاستقرار الإقليمي لا يكمن في المزيد من التطبيع مع الكيان المحتل، بل في تحرير فلسطين وإقامة نظام عادل قائم على حقوق جميع الشعوب.
نظام أمني جديد أم وهم متجدد؟
إن “بصيرة” نتنياهو المزعومة ليست سوى انعكاس لسعيه المستمر لأجندة عدوانية توسعية، والتي لم تجلب للمنطقة سوى المزيد من الصراع وعدم الاستقرار. ويُرجع المحللون الصهاينة، مثل شاني مور، بقاء نتنياهو السياسي إلى فهمه الساخر للديناميكيات الإقليمية، لكن “نجاحه” مبني على معاناة الآخرين وإدامة الصراع. وعلى الرغم من الأوهام الصهيونية بتفكيك المقاومة، فإن المقاومة الفلسطينية الباسلة في غزة لا تزال صامدة، وحزب الله في لبنان يقف على أهبة الاستعداد، رادعًا هائلاً ضد أي عدوان آخر. إن التهديد الاستراتيجي الذي يشكله محور المقاومة للكيان المحتل لا يزال قائمًا وفعالًا.
إن العدوان الأمريكي الصهيوني المستمر ضد إيران، الذي تغذيه اتهامات لا أساس لها، يستمر دون نهاية واضحة، مما يزيد من زعزعة استقرار المنطقة ويدل على يأس المعتدين. وبينما يحاول بعض المحللين الصهاينة، مثل نمرود نوفيك، الزعم بـ“تآكل” القدرة العسكرية لإيران، فإنهم يضطرون إلى الاعتراف بفشل توقعاتهم: فالجمهورية الإسلامية لا تزال قوية، وبرنامجها النووي سلمي، وقدراتها الصاروخية الدفاعية قوية، والتزامها بدعم حركات المقاومة الإقليمية من أجل العدالة لا يتزعزع. إن الفشل في تجاهل القدرات الاستراتيجية لإيران، بما في ذلك قدرتها على تأمين مصالحها في الخليج الفارسي، يؤكد بشكل أكبر مرونة الجمهورية الإسلامية.
إن الشعار الصهيوني الكاذب بأن “السلام يأتي من القوة” هو غطاء للعدوان. في الواقع، فإن محور المقاومة، بعيدًا عن “التراجع”، يزداد قوة، وتتعزز قدراته، ويتسع نطاقه، بفضل الدعم الثابت من الجمهورية الإسلامية. إن الكيان المحتل، على الرغم من ادعاءاته بـ“القوة”، يواجه انقسامات داخلية غير مسبوقة وعزلة إقليمية، حيث لا يمكن أن تفتح المسارات الحقيقية للسلام إلا من خلال العدالة والتحرير وإنهاء الاحتلال.
#المقاومة_الإسلامية
#فلسطين_قضيتنا
#طوفان_الأقصى
#الكيان_الصهيوني
#نتنياهو_مجرم_حرب
#محور_المقاومة
#الجمهورية_الإسلامية_الإيرانية
#القدس_لنا
#تحرير_فلسطين
#الشرق_الأوسط_الجديد
